بعيسى (اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) محمد صلىاللهعليهوسلم وعيسى (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ) نصيبين (مِنْ رَحْمَتِهِ) لإيمانكم بالنبيين (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ) على الصراط (وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢٨) (لِئَلَّا يَعْلَمَ) أي أعلمكم بذلك ليعلم (أَهْلُ الْكِتابِ) التوراة الذين لم يؤمنوا بمحمد صلىاللهعليهوسلم (أَنَ) مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن ، والمعنى أنهم (أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ) خلاف ما في
____________________________________
المتقدمة ، فإن مقتضاها حمل قوله : (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) على من آمن بعيسى ، وقوله : (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) على من غير وبدل قبل بعثة نبينا ، وهم الذين لم يرعوها حق رعايتها فتدبر.
قوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الخ ، لما قدم أن أمة عيسى بعد رفعه إلى السماء افترقوا ، فمنهم من تمسك بالرهبانية الصحيحة وداموا عليها ، إلى أن ظهر محمد صلىاللهعليهوسلم ، ومنهم من غير وبدل ، شرع يبين المطلوب منهم بعد ظهوره صلىاللهعليهوسلم. قوله : (آمَنُوا) (بعيسى) هذا أحد قولين للمفسر ؛ ويشهد له سياق الكلام ، والثاني : أن الخطاب عام لكل من آمن بالرسل المتقدمين ، فيشمل المؤمنين بعيسى وبمن قبله من الرسل. إن قلت : إن هذا ظاهر فيمن كانت ملتهم صحيحة ، فنسخت بملة محمد صلىاللهعليهوسلم ، أما فيمن نسخت ملته بملة عيسى كاليهود ؛ فلا تظهر إثابتهم على التمسك بها. أجيب : بأن إثابتهم على تلك الملة المنسوخة. من خصائص دخولهم في ملة الإسلام. ولذا كان الإسلام يصحح أنكحتهم الفاسدة. قوله : (اتَّقُوا اللهَ) أي امتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه. قوله : (يُؤْتِكُمْ) أي يثبكم على اتباعه. قوله : (كِفْلَيْنِ) تثنية كفل ، وهو في الأصل كساء يعقد على ظهر البعير ، فيلقى مقدمه على الكاهل ، ومؤخره على العجز ، يحفظ الراكب ويمنعه من السقوط ، والمراد هنا نصيبان عظيمان من الرحمة ، يمنعان الشخص من العذاب ، كما يمنع الكفل الراكب من السقوط ، وهذان الكفلان لا يخصان من ذكر ، بل ورد في الحديث : «ثلاثة لهم أجران : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلىاللهعليهوسلم ، والعبد المملوك الذي أدى حق مواليه وحق الله ، ورجل كانت عنده أمة يطؤها ، فأدبها فأحسن تأديبها ، وعلمها فأحسن تعليمها ، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران». قوله : (لإيمانكم بالنبيين) أي فاستحقاقهم الكفلين ظاهر ، لأنهم آمنوا بعيسى ، واستمروا على دينه إلى أن بعث نبينا عليه الصلاة والسّلام فآمنوا به ، فكفل لإيمانهم بعيسى ، وكفل لإيمانهم بنبينا. قوله : (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً) قيل : هو القرآن ، وقيل : هو الهدى والسبيل الواضح في الدين. قوله : (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) أي ما سبق من ذنوبكم قبل الإيمان بمحمد صلىاللهعليهوسلم. قوله : (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) سبب نزولها : أنه لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب هذه الآية ، وقوله تعالى : (أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) قالوا للمسلمين : أما من آمن منا بكتابكم ، فله أجره مرتين ، لإيمانه بكتابنا وكتابكم ، ومن لم يؤمن منا بكتابكم ، فله أجر كأجركم ، فبأي شيء فضلتم علينا؟ فنزلت هذه الآية ردا عليهم. قوله : (أي أعلمكم بذلك) الخ ، أشار بذلك إلى أن لا زائدة ، واللام متعلقة بمحذوف ، والمعنى : إن تتقوا وتؤمنوا برسله يؤتكم كفلين ، ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شيء من فضل الله ، وأن الفضل بيد الله. قوله : (والمعنى أنهم) (أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ) أي لا يملكونه ولا يتصرفون فيه ، بحيث يجعلونه لأنفسهم ، ويمنعونه من غيرهم ، ومن جملة فضل الله الكفلان والمغفرة والنور. قوله : (خلاف) بالرفع خبر
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
