أخرجناه من المعادن (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) يقاتل به (وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ) علم مشاهدة. معطوف على ليقوم الناس (مَنْ يَنْصُرُهُ) بأن ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد وغيره (وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) حال من هاء ينصره ، أي غائبا عنهم في الدنيا ، قال ابن عباس : ينصرونه ولا يبصرونه (إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (٢٥) لا حاجة له إلى النصرة ، لكنها تنفع من يأتي بها (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ) يعني الكتب الأربعة : التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، فإنها في ذرية إبراهيم (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) (٢٦) (ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً
____________________________________
المعادن) هذا أحد قولين في تفسير الإنزال ، والآخر إبقاؤه على حقيقته ، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزل آدم من الجنة معه خمسة أشياء من حديد ، وروي من آلة الحدادين : السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة ، وروي ومعه المبرد والمسحاة ، وروي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «أنزل الله تعالى أربع بركات من السماء : الحديد والنار والماء والملح». وعن ابن عباس أيضا قال : أنزل الله ثلاثة أشياء مع آدم : الحجر الأسود ، وعصا موسى والحديد ا ه والسندان بكسر السين وفتحها ، والكلبتان آلة يؤخذ بها الحديد المحمى ، والميقعة المبرد. قوله : (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) الجملة حالية من (الْحَدِيدَ). قوله : (يقاتل به) أي فمنه الترس ومنه السلاح ونحو ذلك.
قوله : (وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) أي فما من صنعة إلا والحديد له دخل في آلتها. قوله : (علم مشاهدة) أي للخلق ، والمعنى ليظهر متعلق علمه لعباده ، فاندفع ما يقال : إن هذا التعليل يوهم حدوث العلم مع أنه قديم. قوله : (معطوف على ليقوم) أي لكن المعطوف عليه علة للإرسال والإنزال ، والمعطوف علة لإنزال الحديد ، وفي الحقيقة قوله ليعلم علة للثلاثة. قوله : (بآلات الحرب) الخ ، إنما خص النصر بذلك ، لكون المقام والسياق يقتضيه. قوله : (من هاء ينصره) أي الواقعة على الله تعالى. قوله : (غائبا عنهم) أي متحجبا بجلاله وعظمته. قوله : (ولا ينصرونه) أي في الدنيا ، فإن رؤيته تعالى في الدنيا لم تثبت إلا لرسول الله صلىاللهعليهوسلم. قوله : (لا حاجة له إلى النصرة) أي وإنما هو سعادة لمن يحصل النصر على يديه ، وشقاوة لمن لم يحصل. قوله : (لكنها تنفع من يأتي بها) أي فنفع التكاليف عائد على ذوات المكلفين ، قال تعالى : (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ).
قوله : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً) الخ معطوف على قوله : (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا) وكرر القسم إظهارا لمزيد الاعتناء والتعظيم ، وخص هذين الرسولين بالذكر ، لأن جميع الأنبياء من ذريتهما ، وذلك لأن نوحا هو الأب الثاني لجميع البشر ، وإبراهيم أبو العرب والروم وبني إسرائيل. قوله : (يعني الكتب الأربعة) أشار بذلك إلى أن أل في الكتاب للجنس ، وخص هذه الأربعة لأنها أصول الكتب. قوله : (والفرقان) في نسخة القرآن. قوله : (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ) أي من الذرية ، أو من المرسل إليهم. قوله : (فاسِقُونَ) أي كافرون بدليل مقابلته بالمهتد. قوله : (ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ) الضمير عائد على نوح وابراهيم ، ومن عاصرهما من الرسل ، وليس عائدا على الذرية ، فإن الرسل المقفى بهم من جملة الذرية ، والمعنى : ثم أتبعنا رسولا بعد رسول ، حتى انتهينا إلى عيسى عليهالسلام. قوله : (وَقَفَّيْنا بِعِيسَى) أي جعلناه تابعا لهم
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
