(لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي) بالإنشاء (وَيُمِيتُ) بعده (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٢) (هُوَ الْأَوَّلُ) قبل كل شيء بلا بداية (وَالْآخِرُ) بعد كل شيء بلا نهاية (وَالظَّاهِرُ) بالأدلة عليه (وَالْباطِنُ) عن إدراك الحواس (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٣) (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
____________________________________
قوله : (تغليبا للأكثر) أي وهو غير العاقل ، فالمراد بالسماوات والأرض جهة العلو والسفل ، فيشمل نفس السماوات والأرض ، واعلم أن تسبيح العقلاء بلسان المقال اتفاقا. واختلف في تسبيح غيرهم ، فقيل بالحال أي إن ذاتها دالة على تنزيه صانعها عن كل نقص ، وقيل بلسان المقال أيضا ، ولكن لا يطلع على تسبيحها ، إلا من خصه الله بذلك.
قوله : (وَهُوَ الْعَزِيزُ) (في ملكه) أي الغالب على أمره لا يغلبه شيء. قوله : (الْحَكِيمُ) (في صنعه) أي يضع الشيء في محله ، فلا حرج عليه ، ولا معقب لحكمه. قوله : (لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) جملة مستأنفة كالدليل لما قبلها ، كأنه قيل : (هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ،) لأن له ملك السماوات والأرض ، يتصرف فيه على ما يريد. قوله : (بالإنشاء) أي من العدم ، وفيه رد على من يزعم ، أن الإحياء يكون بترك الحي من غير قتل مثلا كالنمرود حيث قال في محاجة ابراهيم عليهالسلام : أنا أحيي وأميت ، وأتى برجلين فأطلق أحدهما وقتل الآخر. قوله : (وَيُمِيتُ) (بعده) أي بعد الإحياء الحاصل بالإنشاء ، وأما الإحياء الثاني فلا موت بعده ، قال تعالى : (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى). قوله : (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) بضم الهاء وسكونها ، قراءتان سبعيتان في جميع القرآن. قوله : (هُوَ الْأَوَّلُ) (قبل كل شيء) أي السابق على جميع الموجودات ، وقوله : (بلا بداية) أي فلا افتتاح لوجوده. قوله : (وَالْآخِرُ) (بعد كل شيء) أي الباقي بذاته بعد استحقاق كل ما سواه الفناء ، وبهذا اندفع ما يقال : إن الجنة والنار وما فيهما ، لا يطرأ عليهما الفناء ، لأن كل موجود بعد عدم قابل للفناء ، وبقاء ما ذكر ببقاء الله تعالى لا ذاتي له ، قال العارف :
|
من لا وجود لذاته من ذاته |
|
فوجوده لولاه عين محال |
قوله : (بالأدلة عليه) أي وهي آثاره وتصاريفه في خلقه :
|
ففي كل شيء له آية |
|
تدل على أنه الواحد |
قوله : (عن إدراك الحواس) أي الظاهرية والباطنية ، فلا تحيط به في الدنيا ولا في الآخرة ، وإنما رؤيته وسماع كلامه في الآخرة ، من غير كيف ولا انحصار ولا إحاطة ، فكل مخلوق عاجز عن الإحاطة به ، بل كلما عظم قرب العبد منه ، ازداد خشية وهيبة وعجزا ، ولذا ورد في الحديث : «سبحان من لا يعلم قدره غيره ، ولا يبلغ الواصفون صفته». وروي أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «إذا أراد أحدكم أن ينام ، فليضطجع على شقه الأيمن ويقول : اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ، ربنا ورب كل شيء ، فالق الحب والنوى ، منزل التوراة والإنجيل والقرآن ، أعوذ بك من شر كل شيء ، أنت آخذ بناصيته. وفي رواية : من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها ، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض عنا الدين ، وأغننا من الفقر» ا ه. وأتى بالواو الأولى والثالثة ، للجمع بين الوصفين الأولين والأخيرين ، والثالثة للجمع بين
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
