للنعمة (لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ) من الأولاد (إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ) (٤٩) (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ) بجعلهم (ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً) فلا يلد ، ولا يولد له (إِنَّهُ عَلِيمٌ) بما يخلق (قَدِيرٌ) (٥٠) على ما يشاء (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا) أن يوحى إليه (وَحْياً) في المنام أو بالإلهام (أَوْ) إلا (مِنْ وَراءِ حِجابٍ) بأن يسمعه كلامه ولا يراه ، كما وقع لموسى عليهالسلام (أَوْ) إلا أن (يُرْسِلَ رَسُولاً) ملكا كجبريل
____________________________________
أي من حيوانات وغيرها. قوله : (يَهَبُ) من وهب كوضع ، والمصدر وهبا بسكون الهاء ، وفتحها وهبة ، والاسم الموهب والموهبة بكسر الهاء ، وهو العطاء من غير مقابل ولا عوض. قوله : (لِمَنْ يَشاءُ) أي الآباء والأمهات. قوله : (من الأولاد) متعلق بيهب لا بيان لمن ، لأنها عبارة عن الآباء والأمهات. قوله : (إِناثاً) قدمهن اشارة إلى أنه يفعل ما يشاء ، لا ما يشاؤه عباده ، فالإناث مما يشاؤه هو ، ونكرهن لانحطاط رتبتهن عن الذكور ، ولذا عرف الذكور وقدمهم آخرا. قوله : (أي يجعلهم) (ذُكْراناً وَإِناثاً) أشار بذلك إلى أن (ذُكْراناً وَإِناثاً) مفعول ثان ليزوج ، والمعنى : يجعل الأولاد ذكرانا وإناثا حال كونهم مزدوجين.
قوله : (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً مَنْ) واقعة على الرجل والمرأة ، فقوله : (فلا يلد) أي إذا كان امرأة ، وقوله : (ولا يولد له) أي إذا كان رجلا ، فالعقيم هو الذي لا يولد له ذكرا أو أنثى ، وفعله من باب فرح ونصر ، وكرم ، وقال ابن عباس : يهب لمن يشاء إناثا ، يريد لوطا وشعيبا عليهماالسلام ، لأنهما لم يكن لهما إلا البنات ، ويهب لمن يشاء الذكور ، يريد ابراهيم عليهالسلام ، لأنه لم يكن له إلا الذكور ، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ، يريد محمدا صلىاللهعليهوسلم ، فإنه كان له من البنين ثلاثة على الصحيح : القاسم وعبد الله وإبراهيم ، ومن البنات أربع : زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ، ويجعل من يشاء عقيما ، يريد يحيى وعيسى عليهماالسلام انتهى ، ولكن حمل الآية على العموم أولى ، لأن المراد بيان نفاذ قدرته تعالى في الكائنات كيف يشاء.
قوله : (أَنْ يُكَلِّمَهُ أَنْ) وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم (كانَ). قوله : (إِلَّا) (أن يوحى إليه) أشار بذلك إلى أن (وَحْياً) منصوب على الاستثناء المفرغ ، خلافا لمن قال إنه منقطع نظرا لظاهر اللفظ ، فإن الوحي ليس بتكليم ، والوحي الإشارة والرسالة والكتابة ، ولك ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه ، ثم غلب استعماله فيما يلقى إلى الأنبياء. قوله : (في المنام) أي فرؤيا الأنبياء حق ، وذلك لما وقع للخليل حين أمر بذبح ولده في المنام ، ولرسول الله صلىاللهعليهوسلم حين رأى أنه يدخل مكة فصدق الله رؤياهما ، وقوله : (أو بالإلهام) أي الإلقاء في القلوب لا بواسطة ملك ، وقد يقع الإلهام لغير الأنبياء كالأولياء ، غير أن إلهام الأولياء ، لا مانع من اختلاط الشيطان به ، لأنهم غير معصومين ، بخلاف الأنبياء فإلهامهم محفوظ منه. قوله : (أَوْ) (إلّا) (مِنْ وَراءِ حِجابٍ) أشار بذلك إلى أن (مِنْ وَراءِ حِجابٍ) معطوف على (وَحْياً) باعتبار متعلقة تقديره إلا أن يوحي إليه أو يكلمه. قوله : (ولا يراه) أشار بذلك إلى أن المراد من الحجاب لازمه وهو عدم الرؤية ، والحجاب وصف العبد لا وصف الرب. قوله : (كما وقع لموسى عليهالسلام) أي في جميع مناجاته كما تقدم مفصلا. قوله : (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) برفع اللام وكذا يوحي ونصبهما قراءتان سبعيتان ، فالرفع خبر لمحذوف أي هو يرسل ، والنصب على (وَحْياً) بإضمار أن ، قال ابن مالك :
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
