علمه ، وكان ملكه في خاتمه ، فنزعه مرة عند إرادة الخلاء ، ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته ، فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها (وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً) هو ذلك الجني ،
____________________________________
ثم رجع إلى داره ، وكانت له أم ولد يقال لها الأمينة ، كان إذا دخل الخلاء ، أو أراد إصابة امرأة من نسائه ، وضع خاتمه عندها حتى يتطهر ، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر ، وكان ملكه في خاتمه ، فوضعه يوما عندها ثم دخل مذهبه ، فأتاها شيطان اسمه صخر المارد ابن عمير في صورة سليمان ، لا تنكر منه شيئا ، فقال : هات خاتمي يا أمينة ، فناولته إياه فجعله في يده ، ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان ، وعكفت عليه الطير والوحش والجن والإنس ، وخرج سليمان فأتى أمينة ، وقد تغيرت حالته وهيئته عند كل من رآه فقال : يا أمينة خاتمي ، قالت : من أنت؟ قال : سليمان بن داود ، فقالت : كذبت قد جاء سليمان وأخذ خاتمه ، وهو جالس على سرير ملكه ، فعرف سليمان أن خطيئته أدركته ، فخرج وجعل يقف على الدار من دور بني اسرائيل ويقول : أنا سليمان بن داود ، فيحثون عليه التراب ويقولون : انظروا إلى هذا المجنون يزعم أنه سليمان ، فلما رأى سليمان ، فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر ، فكان ينقل الحيتان لأصحاب السوق ويعطونه كل يوم سمكتين ، فإذا أمسى باع احدى سمكتيه بأرغفة ، ويشوي الأخرى فيأكلها ، فمكث على ذلك أربعين صباحا ، عدة ما كان يعبد بعد الوثن في داره ، ثم إن آصف وعظماء بني اسرائيل ، أنكروا حكم عدو الله الشيطان في تلك المدة ، فقال آصف : يا معشر بني اسرائيل ، هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيتم؟ فقالوا : نعم ، فلما مضى أربعون صباحا ، طار الشيطان عن مجلسه ، ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه ، فأخذته سمكة فأخذها بعض الصيادين ، وقد عمل له سليمان صدر يومه ، فلما أمسى أعطاه سمكتيه ، فباع سليمان أحدهما بأرغفة ، وبقر بطن الأخرى ليشويها ، فاستقبله خاتمه في جوفها ، فأخذه وجعله في يده وخر الله ساجدا ، وعكفت عليه الطير والجن ، وأقبل الناس عليه ، وعرف أن الذي دخل عليه من أجل ما حدث في داره ، فرجع إلى ملكه ، وأظهر التوبة من ذنبه ، وأمر الشياطين أن يأتوه بصخر المارد ، فأتى به فأدخله في جوف صخرة وسد عليه بأخرى ، ثم أوثقها بالحديد والرصاص ، ثم أمر به فقذف به في البحر ، فهو باق فيها إلى النفخة ، وسيأتي رد تلك القصة ، وأنها من موضوعات الأخباريين. قوله : (لتزوجه بامرأة) أي واسمها جرادة. قوله : (هواها) هويها قياسه بمعنى أحبها من باب صدى ، وأما هوى كرمى فهو بمعنى سقط ، وفي نسخة يهواها وهي ظاهرة. قوله : (وكانت تعبد الصنم) أي وهو صورة أبيها ، ومدة ذلك أربعون يوما. قوله : (وكان ملكه في خاتمه) أي كان ملكا مرتبا على لبسه إياه ، فإذا لبسه سخرت له الريح والجن والشياطين وغيرها ، وإذا نزعه زال عنه وكان خاتمه من الجن ، وهو من جملة الأشياء التي نزل بها آدم من الجنة ، وقد نظمها بعضهم بقوله :
|
وآدم معه أنزل العود والعصا |
|
لموسى من الآس النبات المكرم |
|
وأوراق تين واليمين بمكة |
|
وختم سليمان النبي المعظم |
وقوله العود : المراد به عود البخور ، وقوله واليمين بمكة : المراد بالحجر الأسود ، وورد في الحديث : «أن نقش خاتم سليمان : لا إله إلا الله محمد رسول الله». قوله : (ووضعه عند امرأته) في عبارة غيره أم ولده المسماة بالأمينة. قوله : (هو ذلك الجني) أي وسمي جسدا ، لأنه ليس فيه روح سليمان ، وإن كان فيه
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٣ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4468_hashiyat-alsawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
