وإلى هذه المشيّة والارادة الأزليّة اشير فيما رواه شيخنا الصدوق في توحيده بالاسناد عن الامام الكاظم سلام الله عليه في حديث : «لم تزل له القدرة انشأ ما شاء حين شاء بمشيّته وقدرته» (١).
وقد شاء الله تعالى بالمشيّة الحتميّة أن لا يكون شيء إلّا بعلمه على طباق ما في علمه ومشيئته بالنظام الأعلى ، وما هو الخير والأصلح ولوازمهما ، وهي المرادة في قوله تعالى : (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ)(٢) ممّن يعلم صلاحه للنبوة والسفارة بينه وبين خلقه. وكذلك في قوله تعالى : (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ)(٣) سواء اريد من الروح القرآن ، أو كلّ كتاب أنزله على نبيّ من أنبيائه ، أو الوحي ، أو جبرئيل ، أو النبوّة على اختلاف التفاسير. فانّ كلّ هذه في علمه ومشيّته الازليّة المتعلقة بما هو الصالح ، وهي المعنيّة في قوله تعالى : (قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا)(٤).
فقوله تعالى : (وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) بعد ذكر المشيئة يفسّرها ويوّضحها ، ويعرب عن أنّ الاشياء والأفعال بأسرها محاطة بمشية الله تعالى ، وعليه فليتوكل الموّحدون ، كما توكل عليه شعيب
__________________
(١) التوحيد : ١٤١.
(٢) النحل : ٢.
(٣) غافر : ١٥.
(٤) الاعراف : ٨٨.
