حتى يهلك جميعهم ، يقال : تخوفه الدهر وتخونه (١) إذا نقصه وأخذ ماله وحشمه ، ويقال : هذه لغة بني هزيل. وقال الضحاك والكلبي : هو من الخوف ، أي يعذب طائفة فيتخوف (٢) الآخرون أن يصيبهم مثل ما أصابهم. (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) ، حين لم يعجل بالعقوبة.
(أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠))
قوله : (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ) ، قرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب وكذلك في سورة العنكبوت [١٩ و ٦٧] والآخرون بالياء خبرا عن الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من شيء من جسم قائم له ظل ، (يَتَفَيَّؤُا) ، قرأ أبو عمرو ويعقوب بالتاء والآخرون بالياء. (ظِلالُهُ) ، أي : تميل وتدور من جانب إلى جانب فهي في أول النهار على حال ثم تتقلص ثم تعود في آخر النهار إلى حال أخرى (سُجَّداً لِلَّهِ) لله ، فميلانها ودورانها سجودها لله عزوجل. ويقال للظل بالعشي : فيء لأنه فاء أي (٣) رجع من المغرب إلى المشرق (٤) ، فالفيء الرجوع ، والسجود الميل. يقال : سجدت النخلة إذا مالت. قوله عزوجل : (عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ) ، قال قتادة والضحاك : أما اليمين فأول النهار والشمائل (٥) آخر النهار ، تسجد الظلال لله.
وقال الكلبي : الظل قبل طلوع الشمس عن يمينك وعن شمالك وقدامك وخلفك ، وكذلك إذا غابت فإذا طلعت كان من قدامك وإذا ارتفعت كان عن يمينك ، ثم بعده كان خلفك فإذا كان قبل أن تغرب الشمس كان عن يسارك ، فهذا تفيؤه وتقلبه وهو سجوده. وقال مجاهد : إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله.
وقيل : المراد من الظلال سجود الأشخاص فإن قيل لم وحّد اليمين وجمع الشمائل؟ قيل : من شأن العرب في اجتماع العلامتين الاكتفاء بواحدة ، كقوله تعالى : (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ) [البقرة : ٧] ، وقوله : (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة : ٢٥٧] ، وقيل : اليمين يرجع إلى قوله : (ما خَلَقَ اللهُ) ولفظ (ما) واحد والشمائل جمع يرجع إلى المعنى. (وَهُمْ داخِرُونَ) ، صاغرون.
(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) ، إنما أخبر بما لغلبة ما لا يعقل على من يعقل في العدد ، والحكم للأغلب كتغليب المذكر على المؤنث ، (مِنْ دابَّةٍ) ، أراد من كل حيوان يدب.
ويقال : السجود الطاعة والأشياء كلها مطيعة لله عزوجل من حيوان وجماد ، قال الله تعالى : (قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) [فصلت : ١١] ، وقيل : سجود الأشياء تذللها وتسخرها لما أريدت له وسخّرت له. وقيل :
__________________
(١) في المخطوط «وتخوفه».
(٢) في المطبوع «ليتخوف».
(٣) في المخطوط «إذا».
(٤) في المخطوط بتقديم «المشرق» وتأخير «المغرب».
(٥) في المطبوع «والشمال».
![تفسير البغوي [ ج ٣ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4192_tafsir-albaghawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
