لحق منهم طائفة بالحبشة ثم بوأ الله لهم المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة ، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين. (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً) ، وهو أنه أنزلهم المدينة.
روي أن (١) عمر بن الخطاب كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء يقول : خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل ، ثم تلا هذه الآية.
وقيل : معناه لنحسننّ إليهم في الدنيا. وقيل : الحسنة في الدنيا التوفيق والهداية. (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ). وقوله : (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) ، ينصرف إلى المشركين لأن المؤمنين كانوا يعلمونه.
(الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧))
(الَّذِينَ صَبَرُوا) ، في الله (٢) على ما نالهم ، (وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ) ، نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم ، وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا فهلا بعث إلينا ملكا ، (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) ، يعني مؤمني أهل الكتاب ، (إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).
(بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ) ، واختلفوا في الجالب للباء في قوله : (بِالْبَيِّناتِ) قيل : هي راجعة إلى قوله : (وَما أَرْسَلْنا) ، وإلا بمعنى غير. مجازه (٣) : وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر غير رجال يوحى إليهم ولم نبعث ملائكة.
وقيل : تأويله وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم أرسلناهم بالبينات والزبر. (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ، أراد بالذكر الوحي وكان النبي صلىاللهعليهوسلم مبينا للوحي وبيان الكتاب يطلب من السنة ، (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا) ، عملوا (السَّيِّئاتِ) ، من قبل يعني نمروذ بن كنعان وغيره من الكفار ، (أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ).
(أَوْ يَأْخُذَهُمْ) ، بالعذاب (٤) (فِي تَقَلُّبِهِمْ) ، تصرفهم في الأسفار. وقال ابن عباس : في اختلافهم.
وقال ابن جريج : في إقبالهم وإدبارهم ، (فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ) [بفائتين](٥) الله.
(أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ) ، والتخوف : التنقيص (٦) ، أي : ينقص من أطرافهم ونواحيهم شيئا بعد شيء
__________________
(١) في المطبوع «عن».
(٢) في المخطوط «الدنيا».
(٣) في المطبوع «مجاز».
(٤) في المخطوط «بالعقاب».
(٥) في المطبوع «السابقين» وفي ط «سابقين».
(٦) في المطبوع «النقص».
![تفسير البغوي [ ج ٣ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4192_tafsir-albaghawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
