طاقة ، فبعثت إلى سليمان إني قادمة عليك بملوك قومي حتى انظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك ، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض في آخر قصر من سبعة قصور لها ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حراسا يحفظونه ، ثم قالت لمن خلفت على سلطانها احتفظ (١) بما قبلك وسرير ملكي لا يخلص إليه أحد ولا يقربه حتى آتيك ، ثم أمرت مناديا ينادي في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل ، وشخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن ، تحت يد كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس : وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه ، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى وهجا قريبا منه ، فقال : ما هذا؟ قالوا : بلقيس وقد نزلت منا بهذا المكان ، وكان على مسيرة فرسخ من سليمان ، قال ابن عباس وكان بين الكوفة والحيرة مسيرة قدر فرسخ ، فأقبل سليمان حينئذ على جنوده.
(قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) (٣٨) ، أي مؤمنين ، وقال ابن عباس : طائعين ، واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار عرشها ، فقال أكثرهم : لأن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها فأراد [أن](٢) يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها ، وقيل : ليريها قدرة الله وعظيم (٣) سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها ، وقال قتادة لأنه أعجبته صفته لما وصفه الهدهد فأحب أن يراه. قال ابن زيد : أراد أن يأمر بتنكيره وتغييره ليختبر بذلك عقلها.
(قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِ) ، وهو المراد القوي ، قال وهب : اسمه كوذى ، وقيل : ذكوان ، قال ابن عباس : العفريت الداهية. وقال الضحاك : هو الخبيث. وقال الربيع : الغليظ ، وقال الفراء : القوي الشديد ، وقيل : هو صخر (٤) الجني ، وكان بمنزلة الجبل يضع قدمه عند منتهى طرفه ، (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ) ، أي من مجلسك الذي تقضي فيه ، قال ابن عباس : وكان له [في](٥) كل غداة مجلس يقضي فيه إلى متسع النهار ، (وَإِنِّي عَلَيْهِ) ، أي على حمله (لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) ، على ما فيه من الجواهر ، فقال سليمان : أريد أسرع من هذا.
(قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢))
ف (قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ) ، واختلفوا فيه فقال بعضهم : هو جبريل. وقيل : هو ملك من الملائكة أيد الله به نبيه سليمان.
وقال أكثر المفسرين : هو آصف بن برخيا ، وكان صديقا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
__________________
(١) في المخطوط «احفظ».
(٢) زيادة عن المخطوط.
(٣) في المطبوع «وعظم».
(٤) تصحف في المطبوع «صخره».
(٥) زيادة عن المخطوط.
![تفسير البغوي [ ج ٣ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4192_tafsir-albaghawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
