والكلام في حكم الآية أن الرجل إذا قذف امرأته فموجبه موجب قذف الأجنبي في وجوب الحد عليه إن كانت محصنة أو التعزير إن لم تكن محصنة ، غير أن المخرج منهما مختلف فإن قذف أجنبيا يقام الحد عليه ، إلا أن يقيم أربعة من الشهود على زناها ، أو يقرّ به المقذوف فيسقط عنه حد القذف ، وفي الزوجة إذا وجد أحد هذين أو لاعن يسقط عنه الحد ، فاللعان في قذف الزوجة بمنزلة البينة لأن الرجل إذا رأى مع امرأته رجلا ربما لا يمكنه إقامة البينة عليه ولا يمكنه الصبر على العار ، فجعل الله اللعان حجة له على صدقه ، فقال تعالى : (فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) ، وإذا أقام الزوج البينة على زناها أو اعترفت بالزنا سقط عنه الحد واللعان ، إلا أن يكون هناك ولد يريد نفيه فله أن يلاعن لنفيه ، وإذا أراد الإمام أن يلاعن بينهما يبدأ فيقيم الرجل ويلقنه كلمات اللعان ، فيقول : قل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة بالزنا ، وإن كان قد رماها برجل بعينه سماه باللعان ، وإن رماها بجماعة سماهم ويقول الزوج كما يلقنه الإمام وإن كان ولد أو حمل يريد نفيه يقول وإن هذا الولد أو الحمل لمن الزنا وما هو مني ، ويقول في الخامسة : عليّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة ، وإذا أتى بكلمة منها من غير تلقين الحاكم لا تكون محسوبة ، فإذا فرغ الرجل من اللعان وقعت الفرقة بينه وبين زوجته وحرمت عليه على التأبيد ، وانتفى عنه النسب وسقط عنه حد القذف ، ووجب على المرأة حد الزنا ، إن كانت محصنة ترجم ، وإن كانت غير محصنة تجلد وتغرب فهذه خمسة أحكام تتعلق كلها بلعان الزوج.
(وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩))
قوله : (وَيَدْرَؤُا) ، يدفع ، (عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ).
(وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٩). وأراد بالعذاب الحد كما قال (١) في أول السورة : (وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي : حدها (٢) ومعنى الآية أن الزوج إذ لاعن وجب على المرأة حد الزنا ، وإذا وجب عليها حدّ الزنا بلعانه فأرادت إسقاطه عن نفسها فإنها تلاعن فتقوم وتشهد بعد تلقين الحاكم [لها](٣) أربع شهادت بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به ، وتقول في الخامسة عليّ غضب الله إن كان زوجي من الصادقين فيما رماني به ، ولا يتعلق بلعانها إلا حكم واحد وهو سقوط الحد عنها ولو أقام الزوج بينة على زناها فلا يسقط الحد عنها باللعان ، وعند أصحاب الرأي لا حدّ على من قذف زوجته بل موجبه اللعان ، فإن لم تلاعن تحبس حتى تلاعن فإذا لا عن الزوج وامتنعت المرأة من (٤) اللعان حبست حتى تلاعن ، وعند الآخرين اللعان حجة على صدقه والقاذف إذا قعد عن إقامة الحجة على صدقه لا يحبس بل يجلد كقاذف الأجنبي إذا قعد عن إقامة البينة ، وعند أبي حنيفة موجب اللعان وقوع الفرقة ونفي النسب ، وهما لا يحصلان إلا بلعان الزوجين جميعا ، وقضاء القاضي وفرقة اللعان فرقة فسخ عند كثير من أهل العلم وبه قال الشافعي ، وتلك الفرقة متأبدة حتى (٥) لو أكذب الزوج نفسه يقبل ذلك فيما عليه دون
__________________
(١) في المخطوط «ذكره».
(٢) في المطبوع «أحدهما».
(٣) زيادة عن المخطوط.
(٤) في المطبوع «عن».
(٥) في المطبوع «حق».
![تفسير البغوي [ ج ٣ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4192_tafsir-albaghawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
