(ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها) ، يعني : ما تسبق أمة أجلها ، «ومن» صلة أي : وقت هلاكها ، (وَما يَسْتَأْخِرُونَ) ، وما يتأخرون عن وقت هلاكهم (١).
(ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا) ، يعني : مترادفين يتبع بعضهم بعضا غير متواصلين ، لأن بين كل نبيين زمانا طويلا وهي فعلى من المواترة ، قال الأصمعي : يقال واترت الخبر إذا أتبعت بعضه بعضا وبين الخبرين هنيهة (٢) ، واختلف القراء فيه ، فقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو بالتنوين ويعقوب بالألف ، ولا يميله أبو عمرو في الوقف [والألف](٣) فيها كالألف في قولهم رأيت زيدا ، وقرأ الباقون بلا تنوين ، والوقف عندهم يكون بالياء ويميله حمزة والكسائي ، وهو مثل قولهم غضبى وسكرى ، وهو اسم جمع مثل شتى ، وعلى القراءتين التاء الأولى بدل من الواو وأصله وترى من المواترة والتواتر ، فجعلت الواو تاء مثل التقوى والتكلان ، (كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً) ، بالهلاك ، أي : أهلكنا بعضهم في إثر بعض ، (وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ) ، يعني سمرا وقصصا يتحدث من بعدهم بأمرهم وشأنهم وهي جمع أحدوثة. وقيل : جمع حديث. قال الأخفش : إنما هذا (٤) في الشر وأما في الخير فلا يقال جعلتهم (٥) أحاديث وأحدوثة وإنما يقال صار فلان حديثا ، (فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ).
(ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢))
(ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) ، يعني بحجة بينة من اليد والعصا. وغيرهما.
(إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا) ، تعظموا عن الإيمان ، (وَكانُوا قَوْماً عالِينَ) ، متكبرين قاهرين [غيرهم](٦) بالظلم.
(فَقالُوا) ، يعني فرعون وقومه ، (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا) ، يعنون (٧) : موسى وهارون ، (وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ) ، مطيعون متذللون والعرب تسمي كل من دان الملك (٨) عابدا له.
(فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ) (٤٨) ، بالغرق.
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) ، التوراة ، (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) ، لكي يهتدي به قومه.
__________________
(١) في المخطوط «هلاكها».
(٢) في المطبوع «مهملة» والمثبت عن المخطوط و ـ ط و «الوسيط» ٣ / ٢٩٠ وتمام عبارة «الوسيط» : وهي كالدعوى والتقوى ، وأكثر العرب على ترك تنوينها.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) في المطبوع وسط «هو».
(٥) في المخطوط «جعلناهم».
(٦) زيادة عن المخطوط.
(٧) في المطبوع «يعني».
(٨) في المطبوع «للملك».
![تفسير البغوي [ ج ٣ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4192_tafsir-albaghawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
