(ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ) ، من بعد إهلاكهم ، (قَرْناً آخَرِينَ).
(فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ) ، يعني هودا وقومه. وقيل : صالحا وقومه. والأول أظهر ، (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ).
(وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ) ، أي بالمصير (١) إلى الآخرة ، (وَأَتْرَفْناهُمْ) ، نعمناهم ووسعنا عليهم ، (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) ، يعني مما تشربون منه.
(وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) (٣٤) ، لمغبونون. (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) (٣٥) ، من قبوركم أحياء وأعاد أنكم لما طال الكلام ، ومعنى الكلام : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما مخرجون؟ وكذلك هو في قراءة عبد الله ، نظيره في القرآن : (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها) [التوبة : ٦٣].
(هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ) (٣٦) ، قال ابن عباس : هي كلمة بعد ، أي : بعيد ما توعدون ، قرأ أبو جعفر «هيهات هيهات» بكسر التاء ، وقرأ نصر بن عاصم بالضم ، وكلها لغات صحيحة فمن نصب جعله مثل أين وكيف ، ومن رفع جعله مثل منذ وقط وحيث ، ومن كسر جعله مثل أمس وهؤلاء ، ووقف عليها أكثر القراء بالتاء ، ويروى عن الكسائي الوقف عليها بالهاء.
(إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤))
(إِنْ هِيَ) ، يعنون الدنيا ، (إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا) ، قيل فيه تقديم وتأخير ، أي : نحيا ونموت لأنهم كانوا ينكرون البعث بعد الموت. وقيل : يموت الآباء ويحيا الأبناء. وقيل : يموت قوم ويحيا قوم. (وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) ، بمنشرين بعد الموت.
(إِنْ هُوَ) ، يعنون (٢) الرسول ، (إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) ، بمصدقين بالبعث بعد الموت.
(قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ) ، أي : عن قليل «وما» صلة ، (لَيُصْبِحُنَ) ، ليصيرون ، (نادِمِينَ) ، على كفرهم وتكذيبهم.
(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) ، يعني صيحة العذاب ، (بِالْحَقِ) ، قيل : أراد بالصيحة الهلاك. وقيل : صاح بهم جبريل صيحة فتصدعت قلوبهم ، (فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً) ، وهو ما يحمله السيل من الحشيش وعيدان الشجر ، معناه : صيرناهم هلكى فيبسوا يبس الغثاء من نبات الأرض ، (فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
(ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ) (٤٢) ، يعني : أقواما آخرين.
__________________
(١) في المطبوع «المصير».
(٢) في المطبوع «يعني».
![تفسير البغوي [ ج ٣ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4192_tafsir-albaghawi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
