ثمّ إن كلمة (الأفضل) هنا لا ينبغي من ناحية أخرى أن تؤخذ على أساس أنّها صيغة الحدّ الأعلى ، بل على أساس المقارنة ، فإنّ المستوى الّذي يندب جهد كلّ إنسان إلى أن يبلغه مباشرة ليس هو الدّرجة الحدّية الّتي يتعين الوقوف عندها ، بل كلّ الإمتداد الّذي يقع فوق التّكليف ، بالمعنى الدّقيق للكلمة. وفي هذا الإمتداد المتراحب الّذي يتسع لتنافس كلّ النّاس ، يدعى كلّ واحد منهم إلى أن يرتقي بالتدريج ، من نقطة إلى أخرى ، بحسب قدراته ، ومع مراعاة ما بقي من تكاليفه.
هاتان الملاحظتان تسهمان من جانبهما في إبراز الصّفة الرّحيمة في هذه الأخلاق ، فهما تضيفان إليها جانبا جديدا ، فضلا عن الجانب الّذي تناولناه من قبل (١).
وخلاصة القول أنّ العناصر الثّلاثة الّتي يتكون منها الجهد المبدع بأكمل معاني الكلمة هي : «الإختيار الإرادي» ، و«الإختيار الصّالح» ، و«الإختيار الأفضل».
والعنصر الأوّل هو روح الأخلاق بعامة ، والثّاني يقدّم إلى كلّ من الأخلاق الخاصة نوعيتها المختلفة ، مع مراعاة القواعد الخاصة بكلّ نوع ، وأمّا الثّالث فهو يصل أخيرا لإتمام عمل الإثنين ، وإكماله.
وإذا كانت أغلبية المذاهب الأخلاقية تقوم على أساس مبدأ وحيد ، هو
__________________
ـ صحيح الإمام مسلم : ١ / ١٠٥ ح ٨٧ ، مسند الشّافعي : ١ / ٢٣٤ ، سنن أبي داود : ١ / ١٠٦ ، سنن النّسائي (المجتبى) : ١ / ٢٢٧.
(١) انظر الفصل الأوّل : فقرة ٣ ب.
