بأنّ النّظرية الّتي تنتصر لها أكثر الأسباب الأخلاقية هي النّظرية الّتي تتطلب قصر النّيّة المطلق على العمل ، بحيث تمزج «ماهية» الإرادة «بعلتها» ، فتجعلهما شيئا واحدا لا غير.
ويستطرد الشّاطبي ليقول : بأنّ هذه الطّريقة في تصور الواجب تتفق اتفاقا تاما مع حالتنا البشرية ، كخاضعين للشرّع ، لا كأصحاب حقوق على الشّارع ، يطالبون بها. يقول : «ومن الأمور الّتي تنبني على ما تقدم : أنّ الفاعل للسبب ، عالما بأنّ المسبب ليس إليه إذا وكلّه إلى فاعله ، وصرف نظره عنه ـ كان أقرب إلى الإخلاص ، والتّفويض ، والتّوكلّ على الله تعالى ، والصّبر على الدّخول في الأسباب المأمور بها ، والخروج عن الأسباب المحظورة ، والشّكر ، وغير ذلك من المقامات السّنّية ، والأحوال المرضية ، ويتبين ذلك بذكر البعض على أنّه ظاهر».
أمّا الإخلاص ، فلأنّ المكلف إذا لبى الأمر ، والنّهي في السّبب ، من غير نظر إلى ما سوى الأمر ، والنّهي ـ خارج عن حظوظه ، قائم بحقوق ربّه ، واقف موقف العبودية ، بخلاف ما إذا إلتفت إلى المسبب ، وراعاه ، فإنّه عند الإلتفات إليه متوجه شطره ، فصار توجهه إلى ربّه بالسبب ، بواسطة التّوجه إلى المسبب ، ولا شك في تفاوت ما بين الرّتبتين في الإخلاص.
وأمّا التّفويض فلأنّه إذا علم أنّ المسبب ليس بداخل تحت ما كلّف به ، ولا هو من نمط مقدوراته كان راجعا بقلبه إلى من إليه ذلك ، وهو الله سبحانه ، فصار متوكلا ، ومفوضا. هذا في عموم التّكاليف العادية ، والعبادية ، ويزيد بالنسبة إلى العبادية أنّه لا يزال بعد التّسبب خائفا ، وراجيا ، فإن كان ممن يلتفت إلى المسبب
