هنا أيضا ، يجب أن ننتقد هذا المسلك المغالي في الموضوعية ، والأهتمام بالصفة القانونية الّتي تملي تفرقة كهذه ، فأصحاب هذا الأتجاه يريدون : أن يحكموا على النّاس ، لا تبعا لحالة ضميرهم الفعلية ، ولكن تبعا للحالة الّتي يزعمون أننا نصادفها لدى الغالبية من الأفراد الأسوياء ، ثمّ نوع من الأستقراء النّاقص ، دون أن نفتش عما يحدث فعلا لدى شخص أو آخر.
هذه الفكرة المجردة ، الّتي تصبح فيها الذات وحدة حسابية ، والّتي تختفي فيها كلّ أصالة فردية ـ تتفق تماما مع حاجات الحياة الإجتماعية. بيد أنّ الأخلاقية ليست مطلقا أمرا استقرائيا ، كأنّ المسئولية الأخلاقية لا يمكن أن ترتبط إلّا بشخص مادي ، ولما كان واضحا بدهيا أنّ المسئول على بعد يمكن أن يصدق ، فإنّ التّأويل البعيد ليس هو الباطل. ومن هنا كلّ على علم الأخلاق أن يدع هذه التّفرقة لعالم الاجتماع ، وأن يستبدلها بأخرى تناسبه ، وبدلا من أن تخضع الشّرعية للتأويل القريب ، يجدر بنا أن نميز المخلص من غير المخلص.
ولقد يحدث ـ في الواقع ـ ألّا تكون نيتي غير العدائية سوى نيّة موجهة ، مصطنعة ، تجيء بعد فوات الأوان ، لتسويغ نية أخرى أبعد غورا ، وتأصلا في نفسي ، وهذه النّيّة الأخيرة لا يمكن تسويغها ، وهي فعلا غير سائغة في نظري ، بشرط أن أقوم فقط بتحليلها لنفسي بنفسي ، وأن تكون لدي الشّجاعة لمواجهة الدّوافع الحقيقية لعملي. في هذه الحالة ، لا شك أنّ نيتي الثّانية لا قيمة لها ، وهي عاجزة من كلّ وجه عن أن تخلصني من المسئولية الأخلاقية ، مع أنّها قادرة على أن تبرئني قانونا.
