الأمر أنّي أرى الأشياء من زاوية تجعل سلوكي لا مؤاخذة عليه في نظري ، فموقفي شبيه بموقف القاضي ، الّذي يسأل نفسه في مواجهة حالة معينة عن المادة الّتي تنطبق عليها بشكل أفضل. أو ما التّفسير الأحسن لتلك المادة؟ أو ما درجة امتدادها؟ .. وهل من الممكن أن تنطبق على الحالة المنظورة ، ولكن القاضي ـ مع هذا كلّه ـ ينتهي مع شديد الأسف إلى تبني حكم خاطىء.
ولنأخذ مثالا آخر ، يتعلق بالمقاتل ، وهو مثال نأخذه من القرآن ، فقد ألاحق عدوا شرسا ، فأضطره إلى السّقوط ، والعجز ، فيطلب السّلام ، ويضع السّلاح ، وأسأل نفسي إذا كان هذا فعلا طلبا مخلصا ، أو هو مجرد حيلة استراتيجية ، ثمّ أنّني أحكم تبعا لماضيه القريب ، وصفته الحاقدة ، وأفترض أنّه لا يمكن أن يكون قد تغير فجأة ، فأقرر قتله ، وأقتله. فالعمل الّذي تمّ على هذا النّحو هو عمل إرادي ، ومقصود ، ولكنه ليس مقصودا بالمعنى الكامل ، هو مقصود بوصفه الطّبيعي ، لا بوصفه الأخلاقي ، لقد كان لدي القصد إلى أن أقتل إنسانا ، ولكن لم يكن لدي القصد إلى مخالفة القانون ، لأنّي بدأت بأفتراض أنّه خارج على القانون.
والعمل الّذي يتم بهذا اللون من النّيّة يصفونه بعامة بأنّه (عمد بشبهة) ، أو (عمد بتأويل) ، وهو في مقابل (العمد بغير شبهة) ، من ناحية ، و(الخطأ) من ناحية أخرى. وبعد هذا التّقسيم الثّلاثي نأخذ العمل «العمد بشبهة» لنميز فيه نوعين من التّفسير المسوغ ، أحدهما «ذو التّأويل القريب» وهو الّذي يعذر ، والآخر «ذو التّأويل البعيد» ، وهو الّذي يدين.
