فقال : " يا محمّد ، إنّك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ربّك" ، فاصنع لي صاعا من طعام ، واجعل عليه رجل شاة ، واجعل لنا عسّا من لبن ، ثمّ اجمع لي بني عبد المطلب حتّى أكلّمهم وأبلغ ما أمرت به» ، ففعلت ما أمرني به ، ثمّ دعوتهم له ، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه ، فيهم أعمامه : أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب ، فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الّذي صنعته لهم فجئت به ، فلمّا وضعته تناول النبيّ صلىاللهعليهوسلم جشب حزبة من اللّحم فشقّها بأسنانه ثمّ ألقاها في نواحي الصفحة ، ثمّ قال : «كلوا بسم الله» ، فأكل القوم حتّى نهلوا عنه ، ما نرى إلّا آثار أصابعهم ، والله إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم! ثمّ قال : «اسق القوم يا عليّ» ، فجئتهم بذلك العسّ ، فشربوا منه حتّى رووا جميعا! وأيم الله ، إن كان الرجل منهم ليشرب مثله! فلمّا أراد النبيّ صلىاللهعليهوسلم أن يكلّمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لقد سحركم صاحبكم ، فتفرق القوم ولم يكلّمهم النبيّ صلىاللهعليهوسلم ، فلمّا كان الغد قال : «يا عليّ ، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلّمهم ، فعدّ لنا مثل الّذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ثمّ اجمعهم لي» ، ففعلت ثم جمعتهم ، ثمّ دعاني بالطعام فقربته ، ففعل به كما فعل بالأمس ، فأكلوا وشربوا حتّى نهلوا ، ثمّ تكلّم النبيّ صلىاللهعليهوسلم فقال : «يا بني عبد المطلب ، إنّي والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل ما جئتكم به! إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة! وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على أمري هذا؟» ، فقلت ـ وأنا أحدثهم سنّا ، وأرمصهم عينا ، وأعظمهم بطنا ، وأحمشهم ساقا ـ : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه! فأخذ برقبتي فقال : «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا» ، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك
