(إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا) (٤٥)
٤٢ ـ (إِذْ قالَ) وجاز أن يتعلق إذ كان أو بصدّيقا نبيا ، أي كان جامعا لخصائص الصدّيقين والأنبياء حين خاطب أباه بتلك المخاطبات ، والمراد بذكر الرسول إياه وقصته في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس ويبلّغه إياهم ، كقوله : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ) (١) وإلّا فالله عزّ وعلا هو ذاكره ومورده في تنزيله : (لِأَبِيهِ يا أَبَتِ) بكسر التاء وفتحها ابن عامر ، والتاء عوض من ياء الإضافة ، ولا يقال يا أبتي لئلا يجمع بين العوض والمعوّض منه (لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ) المفعول فيهما منسيّ غير منويّ ، ويجوز أن يقدّر أي لا يسمع شيئا ولا يبصر شيئا (وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) يحتمل أن يكون شيئا في موضع المصدر أي شيئا من الغنى (٢) ، وأن يكون مفعولا به من قولك أغن عني وجهك أي بعّد.
٤٣ ـ (يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ) الوحي أو معرفة الربّ (ما لَمْ يَأْتِكَ) ما في ما لا يسمع وما لم يأتك يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ) أرشدك (صِراطاً سَوِيًّا) مستقيما.
٤٤ ـ (يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ) لا تطعه فيما سوّل من عبادة الصنم (إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا) عاصيا.
٤٥ ـ (يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ) قيل أعلم (أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا) قرينا في النار تليه ويليك ، فانظر في نصيحته كيف راعى المجاملة والرفق والخلق الحسن كما أمر ، ففي الحديث : (أوحى إلى إبراهيم : إنك خليلي حسّن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار) (٣) فطلب منه أولا العلة في خطابه (٤) طلب منبّه على تماديه موقظ ، لإفراطه وتناهيه ، لأن من يعبد أشرف الخلق منزلة وهم
__________________
(١) الشعراء ، ٢٦ / ٦٩.
(٢) في (ظ) و (ز) الأغناء.
(٣) الطبراني في الأوسط وابن عدي ، والحكيم الترمذي في النوادر من حديث أبي هريرة وفيه مؤمل بن عبد الرحمن الثقفي عن أبي أمية بن يعلى الثقفي وهما ضعيفان.
(٤) في (ز) خطئه.
![تفسير النسفي [ ج ٣ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4165_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
