و (كَسَبْتُمْ) : معناه : كانت لكم فيه سعاية ، (وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) : النباتات ، والمعادن ، والرّكاز ، وما ضارع ذلك ، و (تَيَمَّمُوا) : معناه : تعمدوا ، وتقصدوا ، والتيمّم : القصد ، وقال الجرجانيّ : قال فريق من الناس : إن الكلام تمّ في قوله : (الْخَبِيثَ) ، ثم ابتدأ خبرا آخر ، فقال : تنفقون منه وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم ، أي : ساهلتم ، قال* ع (١) * : كأنّ هذا المعنى عتاب للنّفس وتقريع ؛ وعلى هذا ، فالضمير في (مِنْهُ) عائد على (الْخَبِيثَ).
قال الجرجانيّ : وقال فريق آخر : بل الكلام متّصل إلى قوله : (فِيهِ) ؛ وعلى هذا ، فالضمير في «منه» عائد على : «ما كسبتم» ؛ كأنه في موضع نصب على الحال ، والمعنى في الآية : فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم ، وأعلموا أنّ الله غنيّ عن صدقاتكم ، فمن تقرب وطلب مثوبة ، فليفعل ذلك بما له قدر.
* ت* : وهذا يقوّي القول بأنها في الزكاة المفروضة ، و (حَمِيدٌ) : معناه محمود.
وقوله تعالى : (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ...) الآية : هذه الآية وما بعدها ـ وإن لم تكن أمرا بالصدقة ، فهي جالبة النفوس إلى الصدقة ـ بيّن ـ عزوجل ـ فيها نزغات الشيطان ، ووسوسته ، وعداوته ، وذكّر بثوابه هو سبحانه ، لا ربّ غيره ، وذكّر بتفضّله بالحكمة ، وأثنى عليها ، ونبّه أنّ أهل العقول هم المتذكّرون الذين يقيمون بالحكمة قدر الإنفاق في طاعة الله ، وغير ذلك ، ثم ذكر سبحانه علمه بكلّ نفقة ونذر ، وفي ذلك وعد ووعيد ، ثم بيّن الحكم في الإعلان والإخفاء ؛ وكذلك إلى آخر المعنى.
والوعد ؛ في كلام العرب ، إذا أطلق ، فهو في الخير ، وإذا قيّد بالموعود ، فقد يقيد بالخير ، وقد يقيّد بالشر ؛ كالبشارة ، وهذه الآية مما قيّد الوعد فيها بمكروه ، والفحشاء : كلّ ما فحش ، وفحش ذكره ، روى ابن مسعود ، عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم ؛ أنّه قال : «إنّ للشّيطان لمّة (٢) من ابن آدم ، وللملك لمّة ، فأمّا لمّة الشّيطان ، فإيعاد بالشّرّ ، وتكذيب بالحقّ ، وأمّا لمّة الملك ، فإيعاد بالخير ، وتصديق بالحقّ ، فمن وجد ذلك ، فليعلم أنّه من الله ، فليحمد الله ، ومن وجد الأخرى ، فليتعوّذ بالله من الشّيطان» ثمّ قرأ صلىاللهعليهوسلم : (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ...) الآية. قلت : هذا حديث صحيح خرّجه أبو عيسى التّرمذيّ ، وقال
__________________
(١) ذكره ابن عطية (١ / ٣٦٢)
(٢) اللّمّة : الهمة والخطرة تقع في القلب. ينظر : «لسان العرب» (٤٠٧٩)
![تفسير الثعالبي [ ج ١ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4069_tafsir-alsaalabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
