وقوله تعالى : (فَعِدَّةٌ) ، أي : فالحكم أو الواجب عدّة ، وفي وجوب تتابعها قولان ، و (أُخَرَ) لا ينصرف للعدل.
وقوله تعالى : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ...) الآية : قرأ باقي السبعة (١) غير نافع وابن عامر : «فدية» ؛ بالتنوين «طعام مسكين» ؛ بالإفراد ، وهي قراءة حسنة ؛ لأنها بيّنت الحكم في اليوم.
واختلفوا في المراد بالآية ، فقال ابن عمر وجماعة : كان فرض الصيام هكذا على
__________________
ـ أفطره ، بأن كان مديم السّفر ، فلا يباح له الفطر ، لأنّ إباحة الفطر في هذه الحالة تؤدّي إلى إسقاط الفرض بالكلية ، نعم ، لو قصد القضاء في أيام أخرى من أيام سفره ، جاز له الفطر ، ولا فرق في جواز الفطر للمسافر بين أن يكون بأكل أو نحوه ، كجماع ، وغير ذلك.
ومتى أفطر المسافر وجب عليه القضاء دون الفدية ، ثم إنّه إذا قدم المسافر ، أو برىء المريض ، وهما مفطران استحب لهما إمساك بقية النهار ؛ لحرمة الوقت ، ولا يجب عليهما ذلك ؛ لأنهما أفطرا بعذر.
ويندب لهما إذا أكلا ألّا يأكلا إلّا عند من يعرف عذرهما ؛ لخوف التهمة.
وإذا قدم المسافر ، وهو صائم ، أو برىء المريض وهو صائم ، ففي جواز إفطاره وجهان.
أحدهما : أنه يجوز لهما الفطر ، وبه قال ابن أبي هريرة ؛ لأنه أبيح لهما الفطر من أوّل النهار ، فجاز لهما الإفطار في بقيّة النّهار ، كما لو دام السّفر والمرض.
وثانيهما : لا يجوز لهما الإفطار ، وهو قول القاضي أبي الطيّب وجمهور الأصحاب ؛ لأنه زال سبب الرّخصة قبل الترخص. واعلم أنّه لا يباح الفطر في شهر رمضان بسبب من الأسباب المتقدمة ، ألّا إذا نوى المفطر الترخص بفطره ، بأن يقصد أن الشارع رخّص له الفطر ، وذلك ليحصل الفرق ، والتمييز بين الفطر الجائز والفطر الممتنع.
فلو أفطر بدون النّيّة المذكورة حرم عليه الفطر ، وأثم به.
(١) وأما قراءة نافع وابن عامر ، فهي «فدية طعام مساكين» ، وحجتهما في الإضافة أولا : أن الفدية غير الطعام ، وأن الطعام إنما هو المفدى به الصوم ، لا الفدية ، فإذا كان كذلك فالصواب في القراءة إضافة الفدية إلى الطعام.
وحجة الجمع أيضا : قوله قبلها : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، ثم قال : (أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) قالوا : إنما عرف عباده حكم من أفطر الأيام التي كتب عليهم صومها بقوله : (أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) ؛ فإذا كان ذلك كذلك فالواجب أن تكون القراءة في «المساكين» على الجمع لا على التوحيد ، ويكون تأويل الآية : وعلى الذين يطيقونه فدية أيام يفطر فيها إطعام مساكين ، ثم تحذف «أياما» وتقيم «الطعام» مكانها.
ينظر : «حجة القراءات» (١٢٤ ، ١٢٥) ، «السبعة» (١٧٦) ، و «والكشف» (١ / ٢٨٢) ، و «الحجة للقراء السبعة» (٢ / ٢٧٣) ، و «شرح الطيبة» (٤ / ٩١) ، و «معاني القراءات» (١ / ١٩٢) ، و «شرح شعلة» (٢٨٤ ، ٢٨٥) ، و «العنوان» (٧٣) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (١ / ٤٣٠)
![تفسير الثعالبي [ ج ١ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4069_tafsir-alsaalabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
