ولكن العلم مجبول في قلوبكم ، مركوز في طبائعكم ، تخلّقوا بأخلاق الروحانيين يظهر لكم.
وروى أنه قال لبني إسرائيل : يا بني إسرائيل لا تقولوا العلم في السماء من يصعد يأتي به ، ولا في تخوم الأرض من ينزل يأتي به ، ولا من وراء البحار من يعبر يأتي به ، العلم مجبول في قلوبكم ، تأدّبوا بين يدي الله بآداب الروحانيين فتخلّقوا بأخلاق الصديقين يظهر العلم من قلوبكم حتى يغطيكم ويغمركم.
فهذه الأخبار وغيرها مما يستفاد منها أنّ من العلوم الحقّة ما يحصل للإنسان بالإقبال على مراسم العبوديّة ، وملازمة التقوى ، والاعتدال في الأقوال والأفعال والأحوال ، وهذا هو الّذي ربما يسمّونه بالكشف الذي هو لغة رفع الحجاب ، يقال كشفت المرئة وجهها أي رفعت نقابها ، وعندهم هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من الأمور الحقيقية ، سواء كانت من الصور المثالية ، أو من المعاني الغيبة ، ويسمّى الأوّل بالصوري والثاني بالمعنوي فالصوري ما يحصل في عالم المثال من طريق الحواس الخمس التي لها الإحاطة العنصرية ، والمدّة الزمانية ، سواء كانت تلك الإحاطة من طريق المشاهدة ، كرؤية المكاشف صور الأرواح أن تتجسّد وتترائى في صور الأجساد الماديّة إمّا بإرادتها أو بإرادة الرائي أو غيره ، وإن كان الكلّ بمشيّته سبحانه ومن هذا الباب رؤية جبرئيل في صورة دحية الكلبي (١) ، أو في غيرها من
__________________
(١) دحية بن خليفة الكلبي من أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم) ، وكان يضرب به المثل في حسن الصورة بعثه النبي (صلىاللهعليهوآلهوسلم) ، برسالته إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام ، وحضر كثيرا من الوقايع ، وشهد اليرموك وعاش إلى خلافة معاوية ومات نحو سنة ٤٥ من الهجرة ـ الاصابة ج ١ ص ٤٧٣.
![تفسير الصراط المستقيم [ ج ١ ] تفسير الصراط المستقيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4045_tafsir-alsirat-almustaqim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
