اعلم أنّ كثيرا من المنغمسين في الغواسق النفسانية ، والعلائق الهيولانية الجسمانية يزعمون أنّ العلم منحصر في العلوم العقلية والنقلية المشهورة المدونّة في الكتب ، وأنّ طريق تحصيلها منحصر في الكسب والتعلّم وقراءة الكتب ومطالعتها ، وتتبع آراء العلماء وأقوالهم والتدبّر في عباراتهم والتفكّر في فحاوي إشاراتهم ، والجري معهم في مباحثاتهم ومناظراتهم إلى غير ذلك مما ترى كثيرا من الناس مشتغلين بها في ليلهم ونهارهم ، بل في طول أعمارهم ، ومع ذلك فعلّك ترى بعضهم في جهل شديد ، وكأنّهم ينادون من مكان بعيد ، ولذا خلت قلوبهم من الأنوار ، وسرائرهم من الأسرار ، وتغطّت بصائرهم بشوائب الأكدار ، وذلك لأنّهم لم يأتوا البيوت من أبوابها ولم يتوصّلوا إلى المسبّبات من طريق أسبابها ، ومن تأمّل في الرموز القرآنية وإشارات الأخبار النبوية والإماميّة ، يعلم أنّ لتحصيل العلوم الحقة الربانية طريقا آخر ، غير الكسب يسمّى بالوهب ، والعلوم الحاصلة به تسمّى بالعلوم الربانية واللّدنية ، اقتباسا من قوله تعالى : (وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) (١).
ولذا قيل : إشارة إلى القسمين من العلم : إنّكم أخذتم علومكم ميتا من ميت ، وأخذنا علومنا من الحيّ الذي لا يموت.
وذلك أنّا قد لوّحنا سابقا أنّ العلوم الحقيقية ، والارتباطات الواقعية ثابتة في العوالم الإمكانية والكونية ، مرتسمة في الألواح الكلية والجزئية والملكوتية بقلم الصنع والمشيّة وأنّ النفس الإنسانية بمنزلة المرآة الّتي ينطبع فيها صور الحقائق الحسيّة والمعنوية ، فالتعلّم والتفكّر من الطرق الكسبية لتحصيل العلوم إلّا أنّ أحدهما من خارج والآخر من باطن ، فالتعلّم كما قيل استفادة الشخص من
__________________
(١) الكهف : ٦٥.
![تفسير الصراط المستقيم [ ج ١ ] تفسير الصراط المستقيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4045_tafsir-alsirat-almustaqim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
