وحاصل المعنى : من كان في الضلالة فعادة الله أن يمد له ويستدرجه (١).
ومن المفسرين من يرى أن صيغة الطلب وهي (فَلْيَمْدُدْ) على بابها ، ويكون المقصود بالآية الدعاء على الضال من الفريقين بالازدياد من الضلال.
وعليه يكون المعنى : قل ـ أيها الرسول الكريم لهؤلاء المتفاخرين ، من كان منا أو منكم على الضلالة ، فليزده الله من ذلك ، وكأن الآية الكريمة تأمر الرسول صلىاللهعليهوسلم بمباهلة المشركين كما أمره الله ـ تعالى ـ في آية أخرى بمباهلة اليهود في قوله : (قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ..) (٢).
وكما أمر الله بمباهلة النصارى في قوله ـ سبحانه ـ (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ، وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ ، وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) (٣).
ومن المفسرين الذين ساروا على هذا التفسير الإمامان ابن جرير وابن كثير ، فقد قال ابن كثير : يقول ـ تعالى ـ (قُلْ) يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم المدعين أنهم على الحق وأنكم على الباطل (مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ) أى منا ومنكم (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا) أى : فأمهله الرحمن فيما هو فيه حتى يلقى ربه وينقضي أجله .. قال مجاهد في قوله (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا) فليدعه الله في طغيانه هكذا ، قرر ذلك أبو جعفر بن جرير ، وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه كما ذكر ـ تعالى ـ مباهلة اليهود والنصارى .. (٤).
ومع وجاهة التفسيرين لمعنى (فَلْيَمْدُدْ لَهُ ..) إلا أننا نميل إلى الرأى الأول وهو أن صيغة الطلب يراد بها الإخبار عن سنة الله ـ تعالى ـ في الضالين ، لأنه هو المتبادر من معنى الآية الكريمة ولأن قوله ـ تعالى ـ بعد ذلك (وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً ..) يؤيد هذا الرأى.
وقوله ـ سبحانه ـ : (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ ..) متعلق بما قبله.
أى : فليمدد له الرحمن مدا على سبيل الاستدراج والإمهال ، حتى إذا رأى هؤلاء الكافرون ما توعدهم الله ـ تعالى ـ به ، علموا وأيقنوا أن الأمر بخلاف ما كانوا يظنون وما كانوا يقولون لأنهم سينزل الله ـ تعالى ـ بهم (إِمَّا الْعَذابَ) الدنيوي على أيدى المؤمنين (وَإِمَّا السَّاعَةَ) أى : وإما عذاب الآخرة وهو أشد وأبقى.
__________________
(١) تفسير الآلوسى ج ١٦ ص ١٢٦.
(٢) سورة الجمعة الآية ٦.
(٣) سورة آل عمران الآية ٦١.
(٤) تفسير ابن كثير ج ٣ ص ١٣٤.
![التفسير الوسيط للقرآن الكريم [ ج ٩ ] التفسير الوسيط للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3947_altafsir-alwasit-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
