وشبيه بهذه الآية قوله ـ تعالى ـ : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) (١).
وقوله ـ سبحانه ـ : (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (٢).
ثم حكى ـ سبحانه ـ جانبا من السفاهات التي كان المشركون يقابلون بها النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : (وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً).
أى : وإذا أبصرك المشركون ـ أيها الرسول الكريم ـ سخروا منك ، واستخفوا بك وقالوا على سبيل التهوين من شأنك : (أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) أى : أهذا هو مدعى النبوة الذي يذكر آلهتكم بسوء ويعيبها ، وينفى شفاعتها لنا ، وأنها تقربنا إلى الله زلفى.
وقوله ـ سبحانه ـ : (وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) في محل نصب حال من ضمير القول المقدر.
أى : أنهم يقولون فيما بينهم أهذا هو الرسول الذي يذكر آلهتكم بسوء ، والحال أن هؤلاء المشركين الجاهلين ، كافرون بالقرآن الذي أنزله الله ـ تعالى ـ عليك ـ أيها الرسول الكريم ـ لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور.
فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء المشركين جهالاتهم وسفاهاتهم ، حيث استكثروا على الرسول صلىاللهعليهوسلم أن يذم آلهتهم التي لا تنفع ولا تضر ولم يستكثروا على أنفسهم ، أن يكفروا بخالقهم وبذكره الذي أنزله على نبيه صلىاللهعليهوسلم ليكون رحمة لهم.
قال صاحب الكشاف : الذكر يكون بخير وبخلافه. فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد. كقولك للرجل : سمعت فلانا يذكرك ، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء ، وإن كان عدوا فهو ذم ، ومنه قوله : (أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ).
والمعنى : أنهم عاكفون على ذكر آلهتهم بهممهم ، وربما يجب أن لا تذكر به من كونهم شفعاء وشهداء. ويسوءهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك. وأما ذكر الله ـ تعالى ـ وما يجب أن يذكر به من الوحدانية ، فهم به كافرون لا يصدقون به أصلا ، فهم أحق بأن يتّخذوا هزوا منك ، فإنك محق وهم مبطلون .. فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان ، وأساءوا الأدب مع الرحمن» (٣).
__________________
(١) سورة الأنعام الآية ٤٢.
(٢) سورة الأعراف الآية ١٦٨.
(٣) تفسير الكشاف ج ٣ ص ١١٦.
![التفسير الوسيط للقرآن الكريم [ ج ٩ ] التفسير الوسيط للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3947_altafsir-alwasit-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
