عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ)(٢٠)
والمعنى : إننا لم نخلق السموات والأرض وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا الله ، لم نخلق ذلك عبثا ، وإنما خلقنا هذه المخلوقات بحكمتنا السامية ، وقدرتنا النافذة ، ومشيئتنا التي لا يقف في وجهها شيء.
وقوله ـ تعالى ـ : (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) استئناف مقرر لمضمون ما قبله ، من أن خلق السموات والأرض وما بينهما لم يكن عبثا ، وإنما لحكم بالغة ، مستتبعة لغايات جليلة ، ومنافع عظيمة.
و «لو» هنا حرف امتناع لامتناع. أى : امتناع وقوع فعل الجواب لامتناع وقوع فعل الشرط.
واللهو : الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة ، ولا يتناسب مع الجد ، وهو قريب من العبث الباطل تقول : لهوت بهذا الشيء ألهو لهوا ، إذا تشاغلت به عن الجد ، ويطلقه بعضهم على الولد والزوجة والمرأة.
أى : لو أردنا ـ على سبيل الفرض والتقدير ـ أن نتخذ ما نتلهى به ، لاتخذناه من عندنا ومن جهتنا دون أن يمنعنا أحد مما نريده ولكنا لم نرد ذلك لأنه مستحيل علينا استحالة ذاتية ، فيستحيل علينا أن نريده.
فالآية الكريمة من باب تعليق المحال على المحال ، لأن كلا الأمرين يتنافى مع حكمة الله ـ تعالى ـ ومع ذاته الجليلة.
وقوله : (إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) تأكيد لامتناع إرادة اللهو ، و (أَنْ) نافية ، أى : ما كنا فاعلين ذلك ، لأن اتخاذ اللهو يستحيل علينا.
وقوله ـ سبحانه ـ : (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ) إضراب عن إرادة اتخاذ اللهو ، وإثبات لما تقتضيه ذاته ـ تعالى ـ مما يخالف ذلك.
والقذف : الرمي بسرعة. والاسم القذاف ـ ككتاب ـ ، وهو سرعة السير ، ومنه قولهم : ناقة قذاف ـ بكسر القاف ـ إذا كانت متقدمة على غيرها في السير.
ويدمغه : أى. يمحقه ويزيله. قال القرطبي : وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ.
أى : ليس من شأننا أن نتخذ لهوا ، وإنما الذي من شأننا وحكمتنا ، أن نلقى بالحق الذي
![التفسير الوسيط للقرآن الكريم [ ج ٩ ] التفسير الوسيط للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3947_altafsir-alwasit-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
