أى : لأزينن لهم المعاصي والسيئات ، بأن أحسن لهم القبيح. وأزين لهم المنكر. وأحبب الشهوات إلى نفوسهم حتى يتبعوها ، وأبذل نهاية جهدي في صرفهم عن طاعتك ... وقال ـ سبحانه ـ (فِي الْأَرْضِ) لتحديد مكان إغوائه ، إذ هي المكان الذي صار مستقرا له ولآدم وذريته ، كما قال ـ تعالى ـ في آية أخرى : (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها) ـ أى الجنة ـ فأخرجهما ـ أى آدم وحواء ـ مما كانا فيه ، (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ، وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) (١).
وقوله (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) مؤكدا لما قبله.
أى : والله لأغوينهم جميعا مادمت قادرا على ذلك ، ولأعملن على إضلالهم بدون فتور أو يأس ، كما قال ـ تعالى ـ في آية أخرى : (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) (٢).
قال القرطبي : وروى ابن لهيعة عبد الله عن دراج أبى السمح ، عن أبى الهيثم ، عن أبى سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إن إبليس قال يا رب وعزتك وجلالك لا أزال أغوى بنى آدم ما دامت أرواحهم في أجسامهم ، فقال الرب : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى».
وقوله ـ سبحانه ـ (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) اعتراف من إبليس بأن من عباد الله ـ تعالى ـ قوما لا يستطيع أن يغويهم ، ولا يقدر على إضلالهم.
وكلمة «المخلصين» قرأها نافع وحمزة وعاصم والكسائي ـ بفتح اللام ـ ، فيكون المعنى : لأغوينهم أجمعين إلا عبادك الذين استخلصتهم لطاعتك ، وصنتهم عن اقتراف ما نهيتهم عنه.
وقرأها ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ـ بكسر اللام ـ ، فيكون المعنى : لأضلنهم جميعا ، إلا عبادك الذين أخلصوا لك العمل ، وابتعدوا عن الرياء في أقوالهم وأفعالهم.
وهذا الاستثناء الذي اعترف به إبليس بعد أن أدرك أنه لا محيص له عنه ـ هو سنة الله ـ تعالى ـ في خلقه ، فقد جرت سنته التي لا تغيير ولا تبديل لها ، بأن يستخلص لذاته من يخلص له قلبه ، وأن يرعى من يرعى حدوده ، ويحفظ من يحفظ تكاليفه ، ولذا كان جوابه
__________________
(١) سورة البقرة الآية ٣٦.
(٢) سورة الأعراف الآية ١٧.
![التفسير الوسيط للقرآن الكريم [ ج ٨ ] التفسير الوسيط للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3946_altafsir-alwasit-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
