الإشارة : القنوت هو القيام بآداب الخدمة ، ظاهرا وباطنا ، من غير فتور ولا تقصير ، قاله القشيري. وهو على قسمين ، قنوت العارفين ، وهى عبادة القلوب ، كالفكرة والنّظرة ، ساعة منها أفضل من عبادة سبعين سنة ، وثمرتها : التمكن من شهود الذات الأقدس ، عاجلا وآجلا ، وقنوت الصالحين ، وهى عبادة الجوارح ، كالركوع والسجود والتلاوة ، وغيرها من أعمال الجوارح ، وثمرتها نعيم الجنان بالحور والولدان ، مع الرّضا والرّضوان ، ورؤية وجه الرحمن.
روى عن قبيصة بن سفيان ، قال : رأيت سفيان الثوري فى المنام بعد موته ، فقلت له : ما فعل الله بك؟ فأنشأ يقول :
|
نظرت إلى ربّى عيانا فقال لى |
|
هنيئا رضائى عنك يا ابن سعيد |
|
لقد كنت قوّاما إذا الليل قد دجا |
|
بعبرة محزون وقلب عميد |
|
فدونك فاختر أىّ قصر تريده |
|
وزرني فإنى منك غير بعيد |
وكان شعبة ومسعر رجلين صالحين ، وكانا من ثقة المحدّثين ، فماتا ، قال أبو أحمد اليزيدي : فرأيتهما فى المنام ، وكنت إلى شعبة أميل منى إلى مسعر ، فقلت لشعبة : يا أبا بسطام ؛ ما فعل الله بك؟ فقال : يا بنى احفظ ما أقول لك :
|
حبانى إلهى فى الجنان بقبة |
|
لها ألف باب من لجين (١) وجوهرا |
|
وقال لى الجبار : يا شعبة الذي |
|
تبحّر فى جمع العلوم وأكثرا |
|
تمتع بقربى ، إننى عنك ذو رضا |
|
وعن عبدى القوّام فى الليل مسعرا |
|
كفى مسعرا عزا بأن سيزورنى |
|
وأكشف عن وجهى ويدنو لينظروا |
|
وهذا فعالى بالذين تنسكوا |
|
ولم يألفوا فى سالف الدهر منكرا. |
وقوله تعالى : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) أي : لا يستوى العالم بالله مع الجاهل به ، العالم يعبده على العيان ، والجاهل به فى مقام الاستدلال والبرهان. العالم بالله يستدل بالله على غيره ، والجاهل يستدل بالأشياء على الله ، وشتان بين من يستدل به أو يستدل عليه ، المستدل به عرف الحق لأهله ، وأثبت الأمر
__________________
(١) اللّحين : الفضة. انظر اللسان (٥ / ٤٠٠٢ ، مادة لجن).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
