من وجود أصله ، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه ، كما فى الحكم (١). العالم بالله من السابقين المقربين ، والجاهل به من عامة أهل اليمين ، ولو تبحّر فى العلوم الرّسمية غاية التبحر. قال الورتجبي : وصف تعالى أحوال أهل الوجود والكشوفات ، المستأنسين به ، وبلذائذ خطابه ومناجاته ، وتحملوا من لطائف خطابه مكنون أسرار غيبه ، من العلوم الغريبة ، والأنباء العجيبة ، لذلك وصفهم بالعلم الإلهى ، الذي استفادوا من قربه ووصاله ، وكشف جماله بقوله : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) كيف يستوى الشاهد والغائب ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟. ه.
قال القشيري : العلم المخلوق على ضربين : علم مجلوب بكسب العبد ، وموهوب من قبل الرّبّ .. انظر تمامه.
ثم أمر بالتقوى ، التي هى أصل القنوت ، فقال :
(قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠))
قلت : (فِي هذِهِ) : متعلق بأحسنوا ، أو : بحسنة ، على أنه بيان لمكانها ، أو : حال من ضميرها فى الظرف.
يقول الحق جل جلاله : (قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ) بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، أمر رسوله صلىاللهعليهوسلم بأن يحثّهم على التقوى ويذكّرهم بها ، بعد تخصيص التذكير بأولى الألباب ، إيذانا بأن أولى الألباب هم أهل التقوى ، وفى إضافتهم إلى ضمير الجلالة بقوله : (يا عِبادِ) تشريف لهم ، ومزيد اعتناء بشأن المأمور به ، وهو التقوى.
ثم حرّض على الامتثال بقوله : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) أي : اتقوا الله وأطاعوه (فِي هذِهِ الدُّنْيا) الفانية ، التي هى مزرعة الآخرة. (حَسَنَةٌ) أي : حسنة عظيمة ، لا يكتنه كنهها ، وهى الجنة ونعيمها ، أو : للذين أحسنوا بالطاعة والإخلاص حسنة معجلة فى الدنيا ، وهى الصحة والعافية ، والحياة الطيبة ، أو : للذين أحسنوا ، أي : حصلوا مقام الإحسان ـ الذي عبّر عنه عليه الصلاة والسّلام بقوله : «أن تعبد الله كأنك تراه» ـ حسنة كبيرة ، وهى لذة الشهود ، والأنس بالملك الودود فى الدارين.
__________________
(١) انظر الحكم بتبويب المتقى الهندي / ٢٧ حكمة ٢٩.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
