فى الضراء فقط ، فإذا كشف عنه نسى ما كان يدعو إليه من قبل ، وحذفه لدلالة ما قبله عليه. ومن قرأ بالتشديد ، ف «أم» إما متصلة ، حذف مقابلها ، أي : أنت خير حالا ومآلا أم من هو قائم بوظائف العبادات ، أو : منقطعة ، والإضراب للانتقال من التهديد إلى التبكيت بالجواب الملجئ إلى الاعتراف بما بينهما ، كأنه قيل : أم من هو قانت أفضل ، أم من هو كافر مثلك؟.
حال كون القانت (ساجِداً وَقائِماً) أي : جامعا بين الوصفين المحمودين. وتقديم السجود على القيام ؛ لكونه أدخل فى معنى العبادة. (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ) أي : عذاب الآخرة ، حال أخرى ، أو : استئناف ، جواب عما نشأ من حكاية حاله من القنوت والسجود ، كأنه قيل : فما باله يفعل ذلك؟ فيقل : يحذر الآخرة ، (وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ) أي : الجنة ، فينجو بذلك مما يحذره ، ويفوز بما يرجوه ، كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الرّبوبية ، المنبئة عن التبليغ إلى الكمال ، مع الإضافة إلى ضمير الرّاجى.
ودلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الخوف والرّجاء ، يرجو رحمته ، لا عمله ، ويحذر عقابه ؛ لتقصيره فى عمله ، ثم الرّجاء إذا جاوز حدّه يكون أمنا. والخوف إذا جاوز حدّه يكون إياسا ، وقد قال تعالى : (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ) (١) ، و (لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) (٢) ، فيجب ألا يجاوز أحدهما حدّه ؛ بل يكون كالطائر بين جناحيه ، إلا فى حالة المرض ، فيغلب الرّجاء ، ليحسن ظنه بالله. ومذهب محققى الصوفية : تغليب الرّجاء مطلقا ، لهم ولعباد الله ؛ لغلبة حسن ظنهم بربهم.
والآية ، قيل : نزلت فى عثمان رضي الله عنه كان يحيى الليل ، وقيل : فى عمار وأبى حذيفة (٣) ، وهى عامة لمن سواهم.
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ) حقائق الأحوال ، فيعلمون بموجب علمهم ، كالقانت المذكور ، (وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) شيئا ؛ فيعلمون بمقتضى جهلهم ، كدأب الكافر المتقدم. والاستفهام للتنبيه على أن يكون الأولين فى أعلى معارج الخير ، وكون الآخرين فى أقصى مدارج الشر من الظهور ، بحيث لا يكاد يخفى على أحد.
قال النّسفى : أي : يعلمون ويعملون به ، كأنه جعل من لا يعمل غير عالم ، وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون ـ أي : يدخرون ـ العلوم ، ثم لا يقنتون ، ويتفننون فيها ، ثم يفتنون بالدنيا ، فهم عند الله جهلة ، حيث جعل القانتين هم العلماء. أو : يريد به التشبيه ، أي : كما لا يستوى العالم والجاهل ، كذلك لا يستوى المطيع والعاصي. ه.
__________________
(١) من الآية ٩٩ من سورة الأعراف.
(٢) من الآية ٨٧ من سورة يوسف.
(٣) انظر الدر المنثور (٥ / ٦٠٥) وتفسير البغوي (٧ / ١١) وأسباب النّزول للواحدى (ص ٣٨٢).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
