نظره إليها ، والمراد بالإعراض عنه : إهماله والغيبة عنه ، فإنّ من أعرض عن الذكر ، وانهمك فى الدنيا ، بحيث كانت هى منتهى همته ، وقصارى سعيه ، لا تزيده الدعوة إلى خلافها إلا عنادا ، وإصرارا على الباطل.
(ذلِكَ) أي : ما هم فيه من التولّى ، وقصر الإرادة على الحياة الدنيا ؛ هو (مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أي : منتهى علمهم ، لا يكادون يجاوزونه إلى غيره ، فلا تجدى فيهم الدعوة والإرشاد شيئا. وجمع الضمير بعد أن أفرده باعتبار معنى «من» ولفظها ، والمراد بالعلم : مطلق الإدراك الشامل للظن الفاسد. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى) أي : هو أعلم بالضال والمهتدى ومجازاتهما ، وهو تعليل الأمر بالإعراض ، وتكرير «هو أعلم» لزيادة التقرير ، وللإيذان بكمال تباين المعلومين ، أي : هو المبالغ فى العلم بمن لا يرعوى عن الضلال ، ومن يقبل الاهتداء فى الجملة ، فلا تتعب نفسك فى دعوتهم ، فإنهم من القبيل الأول.
الإشارة : شفاعة كلّ أحد على قدر جاهه وتمكنه من الله ، فقد يشفع الولىّ فى أهل زمانه ، كما تقدم فى مريم (١). والاعتقاد فى الملائكة : أنهم أنوار لطيفة من تجليات الحق ، اللطافة فيهم أغلب ، لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة ، يتشكلون كيف شاءوا. وقوله تعالى : (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا ...) الآية ، فيه تحذير من مخالطة الغافلين والصحبة لهم ، فإنّ صحبتهم سم قاتل ، والجلوس معهم تضييع وبطالة ، إلا أن يستولى نور من يصحبهم على ظلمتهم ، فيجرّهم إلى الله ، فهذا جلوسه معهم كمال. وقال بعضهم : الوحدة أفضل من الجلوس مع العامة ، والجلوس مع الخاصة أفضل من العزلة ، إلا من تحقق كماله ، فلا كلام معه.
إشارة أخرى : (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ ....) إلخ ، أي : كثير من الأرواح الصافية السماوية لا تغنى شفاعتها فى الأنفس الظلمانية الطبيعية ، لتنقلها من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح ، إلا من بعد أنّ يأذن الله لمن يشاء انتقاله وعروجه إلى سماء الأرواح ، ويرضى أن يسكنه فى الحضرة القدسية. إن الذين لا يؤمنون بالحالة الآخرة ، وهى الانتقال من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح ، وينكرون على من يوصل إليها ، ليسمون الخواطر القلبية بتسمية الخواطر النّفسانية ، أي : لا يميّزون بينهما ، لجهلهم بأحوال القلوب ، ما لهم به ـ أي : بهذا التمييز ـ من علم ، إن يتبعون فى جلّ اعتقاداتهم إلا الظن القوى ، وإنّ الظن لا يغنى عن الحق شيئا ، فلا ينفع فى مقام الإيمان إلا الجزم عن دليل وبرهان ، ولا فى مقام الإحسان إلا شهود الحق بالعيان ، فمن لم يحصل هذا فهو غافل عن ذكر الله الحقيقي ، يجب الإعراض عنه ، قال تعالى : (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا) وزخارفها ، ذلك مبلغهم
__________________
(١) راجع إشارة الآية ٨٧ من سورة مريم.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
