عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠))
قلت : (كم) : خبرية ، تفيد التكثير ، ومحلها : رفع بالابتداء ، والجملة المنفية : خبر ، وجمع الضمير فى (شفاعتهم) لأن النّكرة المنفية تعم.
يقول الحق جل جلاله : (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ) أي : كثير من الملائكة (لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ) عند الله تعالى (شَيْئاً) من الإغناء فى وقت من الأوقات ، (إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ) لهم فى الشفاعة (لِمَنْ يَشاءُ) أن يشفعوا له ، (وَيَرْضى) ؛ ويراه أهلا للشفاعة من أهل التوحيد والإيمان ، وأما من عداهم من أهل الكفر والطغيان فهم عن إذن الله بمعزل ، وعن الشفاعة بألف معزل ، فإذا كان حال الملائكة فى باب الشفاعة كما ذكر ، فما ظنهم بحال الأصنام؟!
ثم شنّع عليهم فى اعتقادهم الفاسد فى الملائكة ، فقال : (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) وما فيها من العقاب على ما يتعاطونه من الكفر والمعاصي (لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ) المنزّهين عن سمات النّقص (تَسْمِيَةَ الْأُنْثى) ، فإن قولهم : الملائكة بنات الله ، قول منهم بأن كلا منهم بنته ـ سبحانه ، وهى التسمية بالأنثى ، وفى تعليقها بعدم الإيمان بالآخرة إشعار بأنهم فى الشناعة واستتباع العقوبة بحيث لا يجترىء عليها إلا من لا يؤمن رأسا.
(وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) أي : بما يقولون. وقرئ «بها» أي : بالتسمية ، أو بالملائكة. (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ) ، وهو تقليد الآباء ، (وَإِنَّ الظَّنَ) أي : جنس الظن ، ولذلك أظهر فى موضع الإضمار ، (لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) من الإغناء ؛ لأن الحق عبارة عن حقيقة الشيء ، وهو لا يدرك إلا بالعلم ، والظن لا اعتداد به فى باب المعارف الحقيقية ، وإنما يعتد به فى العمليات وما يؤدى إليها.
(فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا) أي : عنهم ، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتوصل إلى وصفهم بما فى حيز الصلة من الأوصاف القبيحة ، ولتعليل الحكم ، أي : فأعرض عمن تولى عن ذكرنا المفيد للعلم اليقيني ، وهو القرآن المنطوى على علوم الأولين والآخرين ، المذكّر بالأمور الآخرة ، أو : عن ذكرنا كما ينبغى ، فإن ذلك يستتبع ذكر الآخرة وما فيها من الأمور المرغوب فيها والمرهوب عنها ، قال الطيبي : أعرض عن دعوة من تدعوه إلى لقاء ربه والدار الآخرة ، وهو يقول : ما هى إلا حياتنا الدنيا ... إلخ ، (وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا) وزخارفها ، قاصرا
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
