لخلفائه صلىاللهعليهوسلم من العارفين بالله ، أهل الفناء والبقاء ، وهم أهل التربية النّبوية فى كلّ زمان ، فمن بايعهم فقد بايع الله ، ومن نظر إليهم فقد نظر إلى الله ، فمن نكث العهد بعد عقده معهم فإنما ينكثه على نفسه ، فتيبس شجرة إرادته ، ويطمس نور بصيرته ، فيرجع إلى مقام عامة أهل اليمين ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما شهود ذاته المقدسة على الدوام ، والظفر بمقام المقربين ، ثبتنا الله على منهاجه القويم ، من غير انتكاص ولا رجوع ، آمين.
ثم ذكر من تخلّف عن البيعة ، فقال :
(سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤))
يقول الحق جل جلاله : (سَيَقُولُ لَكَ) يا محمد إذا رجعت من الحديبية (الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ) وهم الذين تخلفوا عن الحديبية ، وهم أعراب غفار ، ومزينة ، وجهينة ، وأسلم ، وأشجع ، والديل ، وذلك أنه صلىاللهعليهوسلم حين أراد المسير إلى مكة ، عام الحديبية ، معتمرا ، استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ، ليخرجوا معه ، حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب ، أو يصدوه عن البيت ، وأحرم صلىاللهعليهوسلم وساق معه الهدى ؛ ليعلم أنه لا يريد حربا ، فتثاقل كثير من الأعراب ، وقالوا : نذهب إلى قوم غزوه فى داره بالمدينة ، وقتلوا أصحابه ، فنقاتلهم ، وظنوا أنه لا ينقلب إلى المدينة ، فأوحى الله تعالى إليه ما قالوا (١) ، حيث تعللوا وقالوا : (شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا)
__________________
(١) انظر تفسير البغوي (٧ / ٣٠٠).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
