(إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ) على الجهاد ، بيعة الرّضوان (إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ) لأنه خليفة عنه ، فعقد البيعة معه صلىاللهعليهوسلم كعقدها مع الله من غير تفاوت بينهما ، كقوله : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ) (١) ثم أكد ذلك بقوله : (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) يعنى : أن يد رسول الله صلىاللهعليهوسلم الذي تعلو أيدى المبايعين هى يد الله ، من باب مبالغة التشبيه ، (فَمَنْ نَكَثَ) ؛ نقض البيعة ، ولم يف بها (فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ) فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه ، قال جابر رضي الله عنه : «بايعنا رسول الله صلىاللهعليهوسلم تحت الشجرة على الموت ، وعلى ألّا نفرّ ، فما نكث أحد منا البيعة ، إلا جدّ بن قيس المنافق ، اختبأ تحت إبط بعيره ، ولم يسر مع القوم (٢). (وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ) ، يقال : وفيت بالعهد وأوفيت. وقرأ حفص بضم الهاء من «عليه» توسلا لتفخيم لام الجلالة ، وقيل : هو الأصل ، وإنما كسر لمناسبة الياء. أي : ومن وفّى بعهده بالبيعة (فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) ؛ الجنة وما فيها.
الإشارة : لكلّ جيل من النّاس يبعث الله من يذكّرهم ، ويدعوهم إلى الله ، بمعرفته ، أو بإقامة دينه ، ليدوم الإيمان بالله ورسوله ، ويحصل النّصر والتعظيم للدين إلى يوم الدين ، ولولا هؤلاء الخلفاء لضاع الدين. وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ) الآية ، قال الورتجبي : ثم صرّح بأنه عليهالسلام مرآة لظهور ذاته وصفاته ، وهو مقام الاتصاف بأنوار الذات والصفات فى نور الفعل ، فصار هو هو ، إذ غاب الفعل فى الصفة ، وغابت الصفة فى الذات. فقال : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ ...) الآية. وإلى ذلك يشير الحلّاج وغيره. وقال فى القوت : هذه أمدح آية فى كتاب الله عزوجل ، وأبلغ فضيلة فيه لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ؛ لأنه جعله فى اللفظ بدلا عنه ، وفى الحكم مقامه ، ولم يدخل فيه كاف التشبيه ، فيقول : كأنما ، ولا لام الملك ، فيقول : لله ، وليس هذا من الرّبوبية للخلق سوى رسول الله صلىاللهعليهوسلم. ه.
وقال الحسن بن منصور الحلاج : لم يظهر الحق تعالى مقام الجمع على أحد بالتصريح إلا على أخص نسمه وأشرفه ، فقال : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ). ه.
قال القشيري : وفى هذه الآية تصريح بعين الجمع ، كما قال : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) (٣) وقال فى مختصره : يشير إلى كمال فنائه وجوده عليهالسلام فى الله وبقائه بالله. ه. فالآية تشير إلى مقام الجمع ، المنبه عليه فى الحديث : «فإذا أحببته كنت سمعه ، وبصره ، ويده» (٤) وسائر قواه ، الذي هو سر الخلافة والبقاء بالله ، وهذا الأمر حاصل
__________________
(١) من الآية ٨٠ من سورة النّساء.
(٢) أخرجه مسلم فى (الإمارة ، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال ، رقم ١٨٥٦ ، ح ٦٨ ، ٦٩).
(٣) من الآية ١٧ من سورة الأنفال.
(٤) سبق تخريج الحديث.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
