ولم يكن تخلفنا عنك اختيارا ، بل عن اضطرار ، (فَاسْتَغْفِرْ لَنا) ، فأكذبهم الله بقوله : (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) ، فليس تخلفهم لأجل ذلك ، وإنما تخلفوا شكا ونفاقا ، وطلبهم الاستغفار أيضا ليس بصادر عن حقيقة.
(قُلْ) لهم : (فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً) ؛ فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه (إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا) أي : ما يضركم من هلاك الأهل والمال وضياعها ، حتى تخلفتم عن الخروج لحفظها ، (أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً) أي : من يقدر على ضرركم إن أراد بكم نزول ما ينفعكم ، من حفظ أموالكم وأهليكم ، فأىّ حاجة إلى التخلف لأجل القيام بحفظهما والأمر كله بيد الله؟ (بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) ، إضراب عما قالوه ، وبيان لكذبه بعد بيان فساده على تقدير صدقه ، أي : ليس الأمر كما يقولون ، بل كان الله خبيرا بجميع الأعمال ، التي من جملتها تخلفكم وما هو سببه ، فلا ينفعكم الكذب مع علم الله بجميع أسراركم.
(بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً) بأن يستأصلهم المشركون بالموت ، فخشيتم إن كنتم معهم أن يصيبكم ذلك ، فتخلفتم لأجل ذلك ، لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة ، (وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ) زيّنه الشيطان وقبلتموه ، واشتغلتم بشأن أنفسكم ، غير مبالين بهم ، (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ) ، والمراد به الظن الأول ، والتكرير لتشديد التوبيخ والتسجيل عليه بالسوء ، أو ما يعمه وغيره من الظنون الفاسدة ، كعلو الكفر ، وظهور الفساد ، وعدم صحة رسالته صلىاللهعليهوسلم ، فإن الجازم بصحتها لا يحول حول فكره هذه الظنون الباطلة ، (وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً) ؛ هالكين عند الله ، مستوجبين لسخطه وعقابه ، جمع : بائر ، كعائذ وعوذ ، من بار الشيء : هلك وفسد ، أي : كنتم قوما فاسدين فى أنفسكم وقلوبكم ونيّاتكم.
(وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا) ؛ أعددنا (لِلْكافِرِينَ) أي : لهم ، فأقيم الظاهر مقام المضمر للإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر مستوجب السعير. ونكّر (سَعِيراً) لأنها نار مخصوصة ، كما نكّر (ناراً تَلَظَّى) (١). وهذا كلام وارد من قبله تعالى ، غير داخل فى الكلام المتقدم ، مقرر لبوارهم ، ومبيّن لكيفيته ، أي : ومن لم يؤمن كهؤلاء المتخلفين ، فإنا أعتدنا له سعيرا يحترق بها.
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) يدبره تدبير قادر حكيم ، ويتصرف فيهما وفيما بينهما كيف يشاء ، (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) بقدرته وحكمته ، من غير دخل لأحد فى شىء ، ومن حكمته : مغفرته
__________________
(١) الآية ١٤ من سورة الليل.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
