يقول الحق جل جلاله : (وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ) ، وهو ابن عيصو ابن إسحاق عليهالسلام ، أي : من ذريته ؛ لأنه بعد يوسف ، وامرأته : رحمة بنت إفرائيم بن يوسف. (إِذْ نادى رَبَّهُ) ، وهو بدل اشتمال من «عبدنا». و «أيوب» : عطف له ، (أَنِّي) أي : بأنى (مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ) (١) أي : تعب ، وفيه قراءات بفتحتين ، وبضمتين ، وبضم وسكون ، وبنصب وسكون. (وَعَذابٍ) أي : ألم ، يريد ما كان يقاسيه من فنون الشدائد ، وهو الضر فى قوله : (مَسَّنِيَ الضُّرُّ) (٢) ، وهو حكاية لكلامه الذي ناداه به ، وإلا لقيل : إنه مسه. وإسناده إلى الشيطان على طريق الأدب فى إسناد ما كان فيه كمال إلى الله تعالى ، وما كان فيه نقص إلى الشيطان أو غيره ، كقول الخليل : (وَإِذا مَرِضْتُ) (٣) ولم يقل : أمرضنى. وكقول يوشع عليهالسلام : (وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ) (٤). وفى الحقيقة : كل من عند الله. وقيل : أراد ما كان يوسوس به إليه فى مرضه ، من تعظيم ما نزل به من البلاء ، ويغريه على الكراهة والجزع ، فالتجأ إلى الله فى أن يكفيه ذلك بكشف البلاء ، أو بدفعه ورده بالصبر الجميل.
وروى : أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين ، فارتد أحدهم ، فسأل عنه ، فقيل : ألقى إليه الشيطان : أن الله لا يبتلى الأنبياء والصالحين ، فشكا ذلك إلى ربه. وذكر فى سبب بلائه ؛ أنه ذبح شاة فأكلها ، وجاره جائع ، أو : رأى منكرا فسكت عنه ، أو : استغاثه مظلوم فلم يغثه ، أو : كانت مواشيه فى ناحية ملك كافر ، فداهنه ، فلم يغره ، أو : سؤاله امتحانا لصبره ، أي : هل يصبر أم لا ، أو : ابتلاه لرفع درجاته بلا سبب ، وهو أولى (٥).
(ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) ، حكاية ما أجيب به أيوب عليهالسلام ، أي : أرسلنا له جبريل عليهالسلام بعد انتهاء مدة مرضه ، فقال له : اركض ، أي : اضرب برجلك الأرض ، وهى أرض موضع بالجابية (٦) ، فضربها ، فنبعت عين ، فقيل : (هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ) أي : هذا ما تغتسل منه ، وتشرب منه ، فيبرأ ظاهرك وباطنك ، وقيل : نبعت له عينان ؛ حارة للاغتسال ، وباردة للشرب ، فاغتسل من إحداهما ، فبرئ ما فى ظاهره ، وشرب من الأخرى ، فبرئ ما فى باطنه ، بإذن الله تعالى. ومدة مرضه قيل : ثمان عشرة سنة ، وقيل : أربعين ، وقيل : سبع سنين ، وسبعة أشهر ، وسبعة أيام ، وسبع ساعات (٧).
__________________
(١) قرأ أبو جعفر «بنصب» بضم النّون والصاد ، وقرأ يعقوب بفتحهما ، وقرأ الباقون بضم النّون وسكون الصاد. انظر الإتحاف (٢ / ٤٢١)
(٢) من الآية ٨٣ من سورة الأنبياء.
(٣) من الآية ٨٠ من سورة الشعراء.
(٤) من الآية ٦٣ من سورة الكهف.
(٥) انظر تفسير النّسفى (٣ / ١٥٧).
(٦) الجابية : موضع بالشام.
(٧) راجع (٣ / ٤٨٧) من هذا الكتاب.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
