بما كنتم تعملون فى الدنيا ، شبه جزاء العمل بالميراث ؛ لبقائه على أهله دائما ، ولا ينافى هذا قوله صلىاللهعليهوسلم : «لن يدخل أحدكم الجنة عمله» (١) ؛ لأن نفس الدخول بالرحمة ، والتنعم والدرجات بقدر العمل ، أو : تقول : الحديث خرج مخرج الحقيقة ، والآية خرجت مخرج الشريعة ، فالحقيقة تنفى العمل عن العبد ، وتثبته لله ، والشريعة تثبته له باعتبار الكسب ، والدين كله وارد بين حقيقة وشريعة ؛ فإذا شرع القرآن حققته السّنة ، وإذا شرعت السنة حققه القرآن. والله تعالى أعلم.
(لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ) بحسب الأنواع والأصناف ، لا بحسب الأفراد فقط ، (مِنْها تَأْكُلُونَ) أي : لا تأكلون إلا بعضها ، وأعقابها باقية فى أشجارها على الدوام ، لا ترى فيها شجرا خلت عن ثمرها لحظة ، فهى مزيّنة بالثمار أبدا ، موقورة بها ، وعن النّبى صلىاللهعليهوسلم : «لا ينزع رجل فى الجنة من ثمرها إلا نبت فى مكانها مثلاها» (٢).
الإشارة : كل خلة وصحبة تنقطع يوم القيامة ، إلّا خلة المتحابين فى الله ، وهم الذين ورد فى الحديث : أنهم يكونون فى ظل العرش ، والنّاس فى حر الشمس ، يغشى نورهم النّاس فى المحشر ، يغبطهم النّبيون والشهداء لمنزلتهم عند الله. قيل : يا رسول الله ، من هؤلاء؟ صفهم لنا لنعرفهم ، قال : «رجال من قبائل شتى ، يجتمعون على ذكر الله» (٣).
وقد ورد فيهم أحاديث ، منها : حديث الموطأ ، عن معاذ ، قال : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : «قال الله تعالى : وجبت محبّتى للمتحابّين فىّ ، والمتجالسين فىّ ، والمتباذلين فىّ ، والمتزاورين فىّ» (٤) ، وفى رواية أبى مسلم الخولاني : قال صلىاللهعليهوسلم : «المتحابّون فى الله على منابر من نور ، فى ظلّ العرش ، يوم لا ظلّ إلا ظلّه» (٥) ، وفى حديث آخر : «ما تحابّ اثنان فى الله إلا وضع لهما كرسيّا ، فيجلسان عليه حتى يفرع من الحساب» (٦) وقال : صلىاللهعليهوسلم : «إنّ المتحابّين فى الله لترى غرفهم فى الجنة كالكوكب الطّالع الشّرقى أو الغربي ، فيقال : من هؤلاء؟ فيقال : هؤلاء المتحابّون فى الله عزوجل».
__________________
(١) حديث صحيح ، أخرجه البخاري فى (الرقاق ، باب القصد والمداومة على العمل ، ح ٦٤٦٧). ومسلم فى (صفات المنافقين وأحكامهم ، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله ، بل برحمة الله تعالى ٤ / ٢١٧١ ، ح ٢٨١٨) من حديث السيدة عائشة ـ رضي الله عنها : وأول الحديث : «سددوا وقاربوا ...».
(٢) أخرجه الطبري (٢٥ / ٩٧) والبزار (كشف الأستار ح ٣٥٣٠) وقال الهيثمي فى مجمع الزوائد (١٠ / ٤١٤) : رواه الطبراني والبزار ، ورجال الطبراني وأحد إسنادى البزار ثقات.
(٣) قال الهيثمي فى المجمع (١٠ / ٧٧) : رواه الطبراني ، وإسناده حسن.
(٤) رواه مالك فى الموطأ (٢ / ٩٥٣) وأحمد (٥ / ٢٣٣) والحاكم (٤ / ١٦٩) وصحّحه ووافقه الذهبي.
(٥) رواه ابن حبان (٥٧٧) وعبد الله بن الإمام أحمد فى زوائد المسند (٥ / ٣٢٩).
(٦) عزاه السيوطي فى الجامع الصغير (ح ٧٨٦٨) للطبرانى ، عن أبى عبيدة ومعاذ ، وضعّفه.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
