من ذهب ، ليس فيها صحفة إلا وفيها لون ليس فى الأخرى مثله ، شهوته فى آخرها كشهوته فى أولها ، ولو نزل به جميع أهل الدنيا لوسع عليهم مما أعطى ، ولا ينقص ذلك مما أوتى شيئا» (١). ويجمع بينهما بتعدد أهل هذه المنزلة ، وتفاوتهم.
(وَفِيها) أي : فى الجنة (ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ) من فنون الملاذ. ومن قرأ بحذف الهاء ؛ فلطول الموصول بالفعل والفاعل. (وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) أي : تستلذه ، وتقر بمشاهدته ، وهذا حصر لأنواع النّعيم ؛ لأنها إما مشتهيات فى القلوب ، أو : مستلذات فى العيون ، ففى الجنة كلّ ما يشتهى العبد من الملابس والمناكح والمراكب.
روى أن رجلا قال : يا رسول الله ، إنى أحبّ الخيل ، فهل فى الجنة خيل؟ فقال : «إن يدخلك الله الجنة فلا تشاء أن تركب فرسا من ياقوتة حمراء ، يطير بك فى الجنة حيث شئت ، إلا فعلت ، قال أعرابى : يا رسول الله ، إنى أحبّ الإبل ، فهل فى الجنة إبل؟ فقال : يا أعرابى ، إن يدخلك الله الجنة ففيها ما اشتهت نفسك ولذت عيناك» (٢). ه. وقال أبو طيبة السلمى : إن الشرذمة من أهل الجنة لتظلهم سحابة ، فتقول : ما أمطركم؟ فما يدعو داع من القوم بشىء إلا أمطرته ، حتى إن الرّجل منهم يقول : أمطر علينا كواعب أترابا. وقال أبو أمامة : إن الرّجل من أهل الجنة ليشتهى الطائر وهو يطير ، فيقع نضيجا فى كفه كما أراد ، فيأ كل منه حتى تشهى نفسه ، ثم يطير كما كان أول مرة ، ويشتهى الشراب ، فيقع الإبريق فى يده ، فيشرب منه ما يريد ، ثم يرفع الإبريق إلى مكانه. ه. من الثعلبي.
قال القشيري : وفيها ما تشتهيه الأنفس للعباد ؛ لأنهم [قاسوا] (٣) فى الدنيا ـ بحكم المجاهدات ـ الجوع والعطش ، وتحملوا وجوه المشاقّ ، فيجزون فى الجنة وجوها من الثواب ، وأما أهل المعرفة والمحبّون فلهم ما تلذّ أعينهم من النظر إلى الله ، لطول ما قاسوه من فرط الاشتياق بقلوبهم ، وما عالجوه من احتراقهم فيه لشدة غليلهم. ه. والحاصل : أن ما تشتهى الأنفس يرجع لنعيم الأشباح ، وتلذ الأعين لنعيم الأرواح من النّظر ، والقرب ، والمناجاة والمكالمة ، والرّضوان الأكبر ، منحنا الله من ذلك الحظ الأوفر.
(وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ) إتمام للنعمة ، وكمال للسرور ؛ فإن كلّ نعيم له زواله مكدر بخوف زواله لا محالة.
(وَتِلْكَ الْجَنَّةُ) ؛ مبتدأ وخبر ، و (الَّتِي أُورِثْتُمُوها) : صفة الجنة ، أو : «الجنة» صفة المبتدأ ، الذي هو الإشارة ، و «التي أورثتموها» : خبره. أو : «التي أورثتموها» صفة المبتدأ ، و (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) : خبر ، أي : حاصلة ، أو كائنة
__________________
(١) عزاه السيوطي فى الدر المنثور (٥ / ٧٣٢) لعبد بن حميد ، عن عكرمة ، يرفعه.
(٢) أخرجه أحمد فى المسند (٥ / ٣٥٢) والترمذي فى (صفة الجنة ، باب ما جاء فى صفة خيل الجنة ٤ / ٨٨٥ / ح ٢٥٤٣) والبغوي فى التفسير (٧ / ٢٢٢) عن عبد الرّحمن بن سابط مرسلا. وقال الهيثمي (١٠ / ٤١٣) : رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٣) فى الأصول : [قاموا] وما أثبته هو الذي فى القشيري.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
