الإشارة : قد ظهرت الآيات على الأنبياء والرّسل ، فلم ينتفع بها إلا من سبقت له العناية ، وكذلك ظهرت الكرامات على أيدى الأولياء الداعين إلى الله ، فلم ينتفع بها إلا من سبق له التقريب والاصطفاء. على أن الصادق فى الطلب لا يحتاج إلى ظهور كرامة ، بل إذا أراد الله أن يوصله إليه وصله إلى ولىّ من أوليائه ، فطوى عنه وجود بشريته ، وأشهده سر خصوصيته ، فخضع له من غير توقف على كرامة ولا آية. وأما من لم يسبق له التقريب ؛ إذا رأى ألف آية ضحك منها واستهزأ ، ورماها بالسحر والشعوذة ، والعياذ بالله من البعد والطرد.
ثم ذكر عتو فرعون وطغيانه ، فقال :
(وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (٥٦))
يقول الحق جل جلاله : (وَنادى فِرْعَوْنُ) ، إما بنفسه ، أو : أمر من ينادى ، كقولك : قطع الأمير اللص. والظاهر أنه نادى بنفسه ، (فِي قَوْمِهِ) ؛ فى مجمعهم وفيما بينهم ، بعد أن كشف العذاب عنهم ، مخافة أن يؤمنوا ، (قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ) ؛ أنهار النّيل ، ومعظمها أربعة ؛ نهر الملك ، ونهر طولون ، ونهر دمياط ، ونهر تييس ، (تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) ؛ تحت سريرى ؛ لارتفاعه ، أو : بين يدى فى جناتى وبساتينى.
قال عمرو بن العاص رضي الله عنه : نيل مصر سيد الأنهار ، سخّر الله له كلّ نهر بين المشرق والمغرب ، فإذا أراد الله أن يجريه أمر الأنهار فأمدته بمائها ، وفجّر له الأرض عيونا ، فإذا انتهت جريته إلى ما أراد الله سبحانه أوحى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. قاله فى الاكتفاء. ومهبطه من جبل القمر. وقيل : أصله من الجنة ، والله تعالى أعلم. وحدّ مصر : من بحر الاسكندرية إلى أسوان ، بطول النّيل. والأنهار المذكورة هى الخلجان الكبار ، الخارجة من النيل.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
