أو : وإنه لموعظة لك ولأمتك بأجمعها. (وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ) يوم القيامة عن شكركم هذه النّعمة ، أو : عما أوحى إليه ، وعن قيامكم بحقوقه ، وعن تعظيمكم له.
(وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) ، فليس المراد سؤال الرّسل حقيقة ، ولكنه مجاز عن النّظر فى أديانهم والفحص عن مللهم ، هل جاءت عبادة الأوثان قط فى ملة من ملل الأنبياء؟ وكفاه نظرا وفحصا نظره فى كتاب الله المعجز ، المصدق لما بين يديه. وإخبار الله فيه بأنهم إنما يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا. وهذه الآية فى نفسها كافية ، لا حاجة إلى غيرها.
وقيل إنه صلىاللهعليهوسلم جمع له الأنبياء ـ عليهمالسلام ـ وقيل له : سلهم (١) ، وهو ضعيف. وقيل معناه : سل أمم من أرسلنا ، وهم أهل الكتابين ؛ التوراة والإنجيل ، وإنما يخبرونه عن كتب الرّسل ، فإذا سألهم فكأنما سأل الأنبياء ، ومعنى هذا السؤال : التنبيه على بطلان عبادة الأوثان ، والاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد ، وأنه ليس ببدع ابتدعه حتى ينكر ويعادى. وقيل : الخطاب له ، والمراد غيره ممن يرتاب. والله تعالى أعلم.
الإشارة : الاستمساك بالوحى كان حاصلا له صلىاللهعليهوسلم ، وإنما المراد الثبوت على ما هو حاصل ، والاسترشاد إلى ما ليس بحاصل ، فالمراد الترقي فى زيادة العلم ، والكشف إلى غير نهاية ، كقوله : (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) ، فالترقى لا ينقطع لمن تمسك بالوحى التمسك الحقيقي ، بحيث كشف له عن غوامض أسرار القرآن ، وزال الحجاب بينه وبين الله تعالى ، فهو دائما فى زيادة العلم والكشف ، إلى ما لا نهاية له. وهذا هو الشرف العظيم فى الدارين. فمن لم يشكره سئل عنه ، أو سلب منه فى الدنيا. ثم إن التوحيد فى الذات والصفات والأفعال مما أجمعت عليه الملل ، وكل داع إنما يدعو إليه ، وكلّ شيخ مربى إنما يوصل إليه ، ومن لم يوصل إليه أصحابه فهو دجّال. وبالله التوفيق.
ثم سلّى رسوله بقوله :
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠))
__________________
(١) ذكره البغوي (٧ / ٢١٦) والقرطبي (٧ / ٦٠٩٧) عن ابن عباس ، وفيه : قال صلىاللهعليهوسلم : «لا أسأل فقد اكتفيت».
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
