الضر : الصبر ، وآداب النّفع : الشكر ، وأيضا : راكب السفن ملزوم ، إما للمشقة أو السلامة ، فالصبر والشكر لا زمان له. ولم يعطف إحدى الصفتين على الأخرى ؛ لأنهما لموصوف واحد.
(أَوْ يُوبِقْهُنَ) أي : يهلكهن ، عطف على قوله : (يُسْكِنِ) أي : إن يشأ يسكن الرّيح فيركدن ، أو يعصفها فيغرقن [بعصفها] (١) (بِما كَسَبُوا) من الذنوب. وإيقاع الإيباق عليهن مع أنه حال [أهلهن] (٢) ؛ للمبالغة والتّهويل ، (وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ) منها ، فلا يجازى عليها ، وإنما أدخل العفو فى حكم الإيباق ، حيث جزم جزمه ؛ لأن المعنى : أو إن يشأ يهلك ناسا وينج ناسا ، على طريق العفو عنهم. وقرئ : «ويعفو» (٣) على الاستئناف. (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا) أي : فى إبطالها وردها (ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) ؛ من مهرب من العذاب. والجملة معلقة بالنفي ، ومن نصب «يعلم» عطفه على علة محذوفة ، أي : لينتقم منهم وليعلم ، كما فى قوله : (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) (٤). وقيل غير ذلك. ومن رفعه (٥) فعلى الاستئناف. وقرئ بالجزم ، عطفا على : «يعف» ، فيكون المعنى : أو إن يشأ يجمع بين إهلاك قوم وإنجاء آخرين وتحذير قوم.
الإشارة : ومن آياته الأفكار الجارية فى بحر التوحيد ، كالأعلام ، أي : أصحابها كالجبال الرّواسى ، لا يهزهم شىء من الواردات ولا غيرها ، إن يشأ يسكن رياح الواردات عن أسرارهم ، فيبقين رواكد على ظهر بحر الأحدية ، مستغرقين فى شهود الذات العلية ، أو يوبقهن بما كسبوا من سوء الأدب ، فيغرقن فى الزندقة أو الحلول والاتحاد ، ويعف عن كثير ، ويعلم الذين يطعنون فى آياتنا الدالة علينا ما لهم من مهرب.
ثم زهّد فى الدنيا ؛ لأنها العائقة للأفكار ، عن الجري فى بحار الأسرار ، فقال :
(فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ
__________________
(١) فى الأصول [بعضها] والمناسب ما أثبته ، وهو الذي فى تفسير النّسفى وأبى السعود.
(٢) فى الأصول [أهلها].
(٣) قرأ بها الأعمش ، انظر البحر المحيط ٧ / ٤٩٧.
(٤) من الآية ٢١ من سورة مريم.
(٥) وهى قراءة نافع وابن عامر ، وأبى جعفر. وقرأ الجمهور (ويعلم) بالنصب. انظر الإتحاف (٢ / ٤٥٠).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
