يقول الحق جل جلاله : (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ) غمّ ، أو ألم ، أو مكروه (فَبِما) (١) (كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) أي : بجناية كسبتموها ، عقوبة لكم. ومن قرأ بالفاء ؛ ف «ما» شرطية. ومن قرأ بغيرها فموصلة. وتعلق بهذه الآية من يقول بالتناسخ ، ومعناه عندهم : أن أرواح المتقدمين حين تموت أشباحها تنتقل إلى أشباح أخر ، فإن كانت صالحة انتقلت إلى جسم صالح ؛ وإن كانت خبيثة انتقلت إلى جسم خبيث ، وهو باطل وكفر. ووجه التعلق : أنه لو لم يكن للأطفال حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة لما تألّموا. ويجاب : بأن تألم الأطفال إما زيارة فى درجات آبائهم إن عاشوا ، أو فى درجاتهم إن ماتوا ؛ لأنهم يلحقون بآبائهم فى الدرجة ، ولا عمل لهم إلا هذا التألم. والله أعلم.
والآية مخصوصة بالمكلّفين بدليل السياق ، وهو قوله : (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) أي : من الذنوب فلا يعاقب عليها ، أو : عن كثير من النّاس ، فلا يعاجلهم بالعقوبة. وفى الحديث عنه صلىاللهعليهوسلم : «والله أكرم من أن يثنّى عليكم العقوبة فى الآخرة ، وما عفا عنه فالله أحلم من أن يعود فيه بعد عفوه» (٢) وقال ابن عطاء : من لم يعلم أنّ ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه ، وأن ما عفا عنه مولاه أكثر ، كان قليل النّظر فى إحسان ربه إليه. وقال محمد بن حامد : العبد ملازم للجنايات فى كلّ أوان ، وجناياته فى طاعته أكثر من جناياته فى معاصيه ؛ لأن جناية المعصية من وجه ، وجناية الطاعة من وجوه ، والله يطهّر العبد من جناياته بأنواع من المصائب ليخفّف عنه أثقاله فى القيامة ، ولو لا عفوه ورحمته لهلك فى أول خطوة.
وعن علىّ ـ كرم الله وجهه ـ : هذه أرجى آية للمؤمنين فى القرآن ؛ لأنّ الكريم إذا عاقب مرة لا يعاقب ثانيا ، وإذا عفا لا يعود. ه. وقد تقدم حديثا. قال فى الحاشية الفاسية : قلت : وإنما يعفو فى الدنيا عما يشاء ، ويؤخر عقوبة من شاء إلى الآخرة ، فلا يلزم إبطال وعيد الآخرة. ثم الآية إما خاصة بالحدود ، أو بالمجرم المذنب ، وأما من لا ذنب له فما يصيبه من البلاء اجتباء وتخصيص ، لا تمحيص. ه.
قلت : لكلّ مقام ذنب ، حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فالتمحيص جار فى كلّ مقام ، وراجع ما تقدم عند قوله : (لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ ...) (٣) وسيأتى عند قوله : (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ..) (٤) ما يبين هذا. والله أعلم
__________________
(١) قرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر (بما) بغير فاء ، على جعل (ما) فى (ما أَصابَكُمْ) موصولة ، مبتدأ ، و (بما كسبت) خبر ، وعلى جعلها شرطية ، تكون الفاء محذوفة ، نحو قوله تعالى : (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ ...) ـ الآية ١٢١ من سورة الأنعام. وقرأ الباقون (فبما كسبت). ف (ما) شرطية ، أي : فهى بما كسبت ، أو موصولة ، والفاء تدخل فى حيز الموصول إذا أجرى مجرى الشرط. انظر : الحجة للفارسى ، (٦ / ١٢٩) والإتحاف (٢ / ٤٥٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد فى المسند (١ / ٨٥) والحاكم (٤ / ٣٨٨) وزاد السيوطي عزوه فى الدر المنثور (٥ / ٧٠٥) لابن راهويه ، وابن منيع ، وعبد بن حميد ، والحكيم الترمذي ، وأبى يعلى ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، وابن مردويه ، عن سيدنا علىّ ـ كرم الله وجهه ـ.
(٣) من الآية ١١٧ من سورة التوبة.
(٤) من الآية ١٩ من سورة سيدنا محمد.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
