في الوضوء وكنت على يقين من وضوئك السابق فأنت باقٍ على يقينك تعبّداً لا وجداناً بل ظاهراً ، أو أنّ الشارع يحسبك المتيقّن من حيث ترتّب آثار الیقین ، أي بجوز لك الدخول في الصلاة بهذا الثوب والبدن المشكوك طهارتهما ومع الوضوء المشكوك بقاؤه.
ومن البديهي أنّ العقل بعد ملاحظة هذين الدليلين لا يحكم بالتعارض بينهما ، بل يحكم بأنّ دليل الاستصحاب مفسّر للأدلّة المذكورة ومبيّن لمرادها الواقعي ، فهو حاكم عليها ولازمه الإجزاء في صورة كشف الخلاف.
وأمّا قاعدة الفراغ والتجاوز ففي الابتداء بحث في أنّهما قاعدتان مستقلّتان ، إحداهما : تبيّن وظيفة الشاكّ في أثناء العمل والاُخرى : تبيّن وظيفته بعد الفراغ من العمل ، أو أنّهما قاعدة واحدة فقال بعض بالأوّل ، وقال آخرون ـ مثل الإمام قدس سره (١) ـ بالثاني ، وأنّ القاعدة هي قاعدة التجاوز وقاعدة الفراغ من مصاديقها ، وتحقيق البحث في محله.
فإن لم يراع جزء أو شرطاً استناداً إلى هذه القاعدة ثم انكشف الخلاف كما لو وقعت الصلاة بدون الوضوء أو بدون الركوع ـ مثلاً ـ فهل يجب القضاء أو الإعادة أم لا؟ ولكن لابدّ لنا في بادئ الأمر من تحقيق أنّ هذه القاعدة هل تكون من القواعد العقلانيّة والشارع أكّدها وأمضاها في ضمن الروايات الواردة في هذه المقولة ، أم تكون من القواعد الشرعيّة؟ وعلى فرض كونها قاعدة عقلانيّة فهل تكون عندهم بعنوان الأمارة والطريق إلى الواقع ـ كحجيّة خبر الثقة وأماريّته ـ أم لا؟ وكلتا الجهتين محلّ للبحث ، ويحتمل أن تكون من الاُصول التعبّديّة العقلانيّة من دون أن تكون لها أماريّة وكاشفيّة ، ونظيره
__________________
(١) تهذيب الاُصول ١ : ١٩٣.
![دراسات في الأصول [ ج ١ ] دراسات في الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3691_dirasat-fi-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
