ولا يخفى أنّ التعبير بكشف الخلاف هاهنا مسامحة ، وليس بصحيح ؛ إذ لا يحصل لنا بعد جريان قاعدة الطهارة العلم بالواقع ، وليس لنا طريق إليه حتّى نعبّر بكشف الخلاف بعد وضوح حقيقة الحال ، بل القاعدة توجب توسعة دائرة الطهارة التي تترتّب عليها الآثار تسهيلا وامتنانا على الامّة. ويجري جميع ما ذكرناه في قاعدة الطهارة من النزاع والنتيجة في قاعدة الحلّيّة أيضا.
بيان ذلك : أنّ قوله : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام» معناه على القول المشهور أنّه كلّ شيء شكّ في حلّيّته وحرمته فهو لك حلال ظاهرا ، والغاية تبيّن خصوصيّة الموضوع ، فإن لاحظنا هذه القاعدة مع قوله : لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه ـ الظاهر في أنّ ما يكون مانعا عن الصلاة عبارة عمّا كان محرّم الأكل بحسب الواقع ـ تكون القاعدة حاكمة عليه وتوجب التضييق في دائرة المانعيّة ، فإن صلّينا في جزء حيوان المشكوك الحلّيّة والحرمة بعد جريان قاعدة الحلّيّة فيه ، ثمّ انكشف حرمته لا يجب القضاء ولا الإعادة ؛ إذ الصلاة تتحقّق مع الطهارة الظاهريّة ، فلا مانع من صحّتها ، فيستلزم الحكومة في هذه القاعدة تضييق دليل المحكوم وفي قاعدة الطهارة توسعته ، وكلاهما مناسب مع التسهيل والامتنان. إلى هنا تمّ بحث الأصلين من الاصول العمليّة.
والبحث في أصل البراءة قد يقع في البراءة العقليّة ، وقد يقع في البراءة الشرعيّة ، ولا شكّ في أنّ البراءة العقليّة أجنبيّة عن مسألة الإجزاء وعدمه ، فإنّ دليلها عبارة عن قبح العقاب بلا بيان ، ولا يكون مفاده نفي التكليف بحسب الواقع ، بل يكون مفاده نفي استحقاق العقوبة فيما خالفه المكلّف ؛ لعدم تحقّق البيان من المولى ، فإن صلّينا بدون السورة استنادا إلى هذا الأصل ، ثمّ انكشف الخلاف يجب القضاء في الوقت والإعادة في خارج الوقت ، وغاية ما
![دراسات في الأصول [ ج ١ ] دراسات في الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3691_dirasat-fi-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
