بالسجود لآدم عليهالسلام ، ومعلوم أنّ سجودهم له ليست عبادة وإلّا لا بدّ من القول بالتخصيص في الشرك في العبادة ، مع أنّ الآية الشريفة : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)(١) غير قابلة للتخصيص ، فالسجدة لآدم ليست بعبادة له ، بل كانت عملا مأمور بها من الباري تعالى ، فالطريق المنحصر لاستكشاف عباديّة الأعمال عبارة عن بيان الشارع وتصريحه بها.
والحاصل : أنّ كلّ عمل واجب ليس بعبادة وإن كان إتيان العمل بقصد القربة ، ولذا يقال للمصلّي : إنّه مشغول في العبادة ، ولا يقال لمن كان في مقام أداء الزكاة أو إطاعة الوالدين : إنّه مشغول في العبادة ، ولا دخل لما أضاف إليه كلمة العبادة في معناها فأخذ معنى خاصّا في مفهوم العبادة زائدا على قصد القربة ، فكانت هاهنا ثلاثة عناوين : الأوّل : العنوان التعبّدي ، الثاني : العنوان التقرّبي. الثالث : عنوان الإطاعة.
ولا شكّ في أنّ العنوان التقرّبي أعمّ من العبادة ، وعنوان الإطاعة وإن استعمل في لسان الاصوليّين فيما يعتبر فيه قصد القربة ، ولكنّه لغة أعمّ من العنوان التقرّبي ، فإنّ أمر الله تعالى بإطاعة الرسول صلىاللهعليهوآله في آية (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)(٢) أمر مولويّ بإطاعته ، ولكن لا يعتبر في إطاعته قصد القربة ، وهكذا أمره صلىاللهعليهوآله الأنصاري بقلع نخلة سمرة بن جندب أمر مولويّ لا يعتبر فيه قصد القربة.
وبالنتيجة : التقسيم الشائع في كلمات الاصوليّين للواجب بأنّه إمّا تعبّدي وإمّا توصّلي ليس بصحيح ، فلا بدّ لنا من الإعراض عن أحد الأمرين ، إمّا من
__________________
(١) النساء : ٤٨.
(٢) النساء : ٥٩.
![دراسات في الأصول [ ج ١ ] دراسات في الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3691_dirasat-fi-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
