وهو نصّ قولنا : أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق ، وأفعال العباد بين السماء والأرض بلا شك ، فالله تعالى خلقها بالحق الذي هو اختراعه لها ، وكلّ ما فعل تعالى حق ، وإضلاله من أضلّ حقّ له ومنه تعالى ، وهداه من هدى حق منه تعالى ، ومحاباته من حابى بالنبوّة وبالطّاعة حق منه. ونحن نبرأ إلى الله تعالى من كل من قال : إن الله تعالى خلق شيئا بغير الحق ، أو أنه تعالى خلق شيئا لاعبا ، أو أنه تعالى ظلم أحدا ، بل فعله عدل وصلاح ، ولقد ظهر لكل ذي فهم أننا قائلون بهذه الآيات على نصّها وظاهرها فأيّ حجة لهم علينا في هذه النصوص لو عقلوا؟! وأمّا المعتزلة فيقولون : إنه تعالى لم يخلق كثيرا مما بين السماوات والأرض ، لا سيما عبّاد بن سلمان منهم تلميذ هشام بن عمرو الفوطي القائل : إن الله تعالى لم يخلق الجدب ، ولا الجوع ، ولا الأمراض ، ولا الكفار ، ولا الفسّاق. ومحمد بن عبد الله الإسكافي تلميذ جعفر بن حرب القائل : إن الله تعالى لم يخلق العيدان ، ولا المزامير ، ولا الطنابير ، وكل ذلك ليس بخلق من خلق الله ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.
وهم يقولون : إن الله عزوجل لو حابى أحدا لكان ظالما لغيره ، وقد صحّ أن الله تعالى حابى موسى وإبراهيم ويحيى ومحمدا صلوات الله عليهم دون غيرهم ودون أبي لهب ، وأبي جهل ، وفرعون ، والذي حاجّ إبراهيم في ربّه ، فعلى قول المعتزلة : يجب أن الله تعالى ظلم هؤلاء الذين حابى غيرهم عليهم ، وهذا ما لا مخلص لهم منه إلا بترك قولهم الفاسد.
وأمّا قوله تعالى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [سورة الذاريات آية رقم ٥٦].
فهكذا نقول : ما خلقهم الله تعالى إلا ليكونوا له عبادا مصرّفين بحكمه فيهم منقادين لتدبيره إيّاهم ، وهذه حقيقة العبادة ، والطّاعة أيضا عبادة.
وقال تعالى حاكيا عن القائلين : (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ) [سورة المؤمنون آية رقم ٤٧] وقد علم كل أحد أن قوم موسى عليهالسلام لم يعبدوا قط فرعون عبادة تديّن لكن عبدوه عبادة تذلّل ، فكانوا له عبيدا ، فهم له عابدون. وكذلك قول الملائكة عليهمالسلام (بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ) [سورة سبأ : ٤١].
وقد علم كل أحد أنهم لم يعبدوا الجن عبادة تدين ، لكن عبدوهم عبادة تصرف لأمرهم ، وإغوائهم ، فكانوا لهم بذلك عبيدا. فصحّ القول بأنهم يعبدونهم ، وهذا بيّن.
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ٢ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3657_alfasl-fi-almilal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
