الإيمان ـ فصحّ يقينا أن كلّ من آمن فلم يؤمن إلا بإذن الله عزوجل ، وأنه تعالى شاء أن يؤمن ، وأنّ كل من لم يؤمن فلم يأذن الله تعالى له في الإيمان ، ولا شاء أن يكون منه الإيمان.
هذا نصّ هاتين الآيتين اللتين لا يحتملان تأويلا غيره أصلا ، وليس لأحد أن يقول : إنه تعالى عنى الإكراه على الإيمان ، لأن نصّ الآيتين مانع من هذا التأويل الفاسد ، لأنه تعالى أخبر أن كل من آمن فإنما آمن بإذن الله عزوجل ، وأنّ من لم يؤمن فإنّ الله تعالى لم يشأ أن يؤمن ، فيلزمهم على هذا : أن كلّ مؤمن في العالم فمكره على الإيمان. وهذا شر من قول الجهمية ، وأشد. فإن قالوا : إنّ إذن الله تعالى هاهنا إنما هو أمره ـ لزمهم ضرورة أحد وجهين ، لا بدّ منهما :
إما أن يقولوا : إن الله تعالى لم يأمر الكفار بالإيمان لأن النص قد جاء بأنه تعالى لو أذن لهم لآمنوا.
وإمّا أن يقولوا : إن كل من في العالم فهم مؤمنون لأنهم عندهم مأذون لهم في الإيمان ، إذا كان الإذن هو الأمر. وكلا القولين كفر مجرد ، ومكابرة للعيان. ونعوذ بالله من الضلال.
قال أبو محمد : الإذن هاهنا ومشيئته تعالى هو خلق الله تعالى للإيمان فيمن آمن ، وقوله لإيمانه (كُنْ فَيَكُونُ) [سورة يس آية رقم ٨٢].
وعدم إذنه تعالى ، وعدم مشيئته للإيمان هو ألّا يخلق في المرء الإيمان فلا يؤمن ، لا يجوز غير هذا البتة ، إذ قد صحّ أن الإذن هاهنا ليس هو الأمر. وقال عزوجل : (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) [سورة النحل آية رقم ٣٦].
فأخبر تعالى أنه هدى بعضهم دون بعض. وهذا عند المعتزلة جور. وقال تعالى : (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) [سورة الأعراف آية رقم ١٧٩].
فنص على أنه خلقهم ليدخلهم النار ، نعوذ بالله من ذلك.
وقال تعالى : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [سورة النحل آية رقم ٩٣].
وأمر تعالى أن ندعوه فنقول : (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا) [سورة آل عمران آية رقم ٨].
فنص تعالى على أنه يزيغ قلوب من لم يهدهم من الذين زاغوا إذ أزاغ الله
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ٢ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3657_alfasl-fi-almilal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
