الأصلح : يصفهم أصحاب اللطف بأنهم معجزون لله تعالى ، مشبّهون له بخلقه ، (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ) [سورة القلم آية رقم ٣٠]. وقد نص تعالى على أنه يفعل ما يشاء بخلاف ما قالت المعتزلة ، فقال عزوجل : (كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [سورة المدثر آية رقم ٣١].
وأمرنا عزوجل أن ندعوه فنقول : (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) [سورة البقرة آية رقم ٢٨٦].
قال أبو محمد : وهذا غاية البيان في أنه عزوجل له أن يكلفنا ما لا طاقة لنا به وأنه لو شاء ذلك لكان من حقه ، ولو لم يكن له ذلك لما أمرنا بالدّعاء في ألّا يحملنا ذلك ، ولكان الدعاء بذلك كالدعاء في أن يكون إلها خالقا على أصوله. ونصّ تعالى ـ كما تلونا ـ على أنه قد حمّل من كان قبلنا الإصر ـ وهو الثقل الذي لا يطاق. وأمرنا أن ندعوه بألّا يحمل ذلك علينا.
وأيضا : فقد أمرنا تعالى في هذه الآية أن ندعوه بأن لا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، وهذا هو تكليف ما لا يطاق نفسه ، لأن النسيان لا يقدر أحد على الخلاص منه ، ولا يتوهم التحفظ منه ، ولا يمكن أحد دفعه عن نفسه ، فلو لا أن له تعالى أن يؤاخذ بالنسيان من شاء من عباده ـ لما أمرنا بالدّعاء في النجاة منه. وقد وجدنا الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ مؤاخذين بالنسيان. منهم : أبونا آدم صلىاللهعليهوسلم ـ قال الله تعالى : (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ) [سورة طه آية رقم ١١٥].
يريد نسيانه عداوة إبليس له الذي حذّره الله تعالى منه ، ثم أخذه على ذلك ، وأخرجه من الجنة ، ثم تاب عليه. وهذا كلّه على أصول المعتزلة جور وظلم ، تعالى الله عن ذلك. وقال عزوجل : (وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا) [سورة الأنعام آية رقم ١٠٧]. و «لو» في اللغة التي بها نزل القرآن حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره فصحّ يقينا أن ترك الشرك من المشركين ممتنع لامتناع مشيئة الله تعالى لتركه. وقال تعالى : (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) [سورة يونس آية رقم ١٠٠].
ومشيئة الله هي تفسير إذن الله ـ وقال تعالى : (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) [سورة الأنعام آية رقم ١١١].
فهذا نصّ جليّ على أنه لا يمكن أحد أن يؤمن إلا بإذن الله عزوجل له في
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ٢ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3657_alfasl-fi-almilal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
