فنحن نقرّ بهذا ، وبأنه يقتص يومئذ للشاة الجماء من الشاة القرناء ولا ندري ما يفعل الله بهما بعد ذلك ، إلّا أنا ندري يقينا أنها لا تعذّب بالنار ، لأن الله تعالى قال : (لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [سورة الليل آية رقم ١٥ و ١٦].
وبيقين ندري أن هذه الصفة ليست إلّا في الجن والإنس خاصة ، ولا علم لنا إلّا ما علمنا الله تعالى. وقد أيقنا أن سائر الحيوان الذي في هذا العالم ـ ما عدا الملائكة ، والحور ، والإنس ، والجن ـ فإنه غير متعبد بشريعته.
وأمّا الجنة : فإن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «لا يدخل الجنة إلّا نفس مسلمة» (١).
والحيوان ـ حاشا من ذكرنا ـ لا يقع عليهم اسم مسلمين ، لأن المسلم هو المتعبّد بالإسلام ، والحيوان المذكور غير متعبّد بشرع. فإن قال قائل : إنكم تقولون إن أطفال المسلمين وأطفال المشركين كلهم في الجنة ، فهل يقع على هؤلاء اسم مسلمين؟ فجوابنا وبالله تعالى التوفيق أن نقول : نعم ، كلهم مسلمون بلا شك لقول الله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) [سورة الأعراف آية رقم : ١٧٢].
وقوله تعالى : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) [سورة الروم آية رقم : ٣٠].
ولقول رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «كلّ مولود يولد على الفطرة» وروي على الملّة ـ «فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجّسانه ، أو يشركانه» (٢). ولقوله صلىاللهعليهوسلم عن الله عزّ
__________________
(١) جزء من حديث روي بألفاظ وطرق متعددة ، فرواه البخاري في الجهاد باب ١٨٢ ، والرقاق باب ٤٥. ومسلم في الإيمان حديث ١٧٨ و ٣٧٧ و ٣٧٨. والترمذي في صفة الجنة باب ١٣. وابن ماجة في الصيام باب ٣٥ ، والزهد باب ٣٤. والدارمي في السير باب ٦٢. وأحمد في المسند (١ / ٣ ، ٣ / ٤١٥ ، ٥ / ٤٣٨). وتمامه عند البخاري في الجهاد باب ١٨٢ (حديث رقم ٣٠٦٢) عن أبي هريرة قال : شهدنا مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فقال الرجل ممن يدعي الإسلام : «هذا من أهل النار». فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديدا ، فأصابته جراحة ، فقيل : يا رسول الله الذي قلت إنه من أهل النار فإنه قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات. فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : «إلى النار» قال : فكاد بعض الناس أن يرتاب. فبينما هم على ذلك إذ قيل إنه لم يمت ولكن به جراحا شديدة. فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه ، فأخبر النبي صلىاللهعليهوسلم بذلك فقال : «الله أكبر ، أشهد أني عبد الله ورسوله». ثم أمر بلالا فنادى بالناس : «إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، وإن الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر». ورواه أيضا برقم ٤٢٠٣ و ٤٢٠٤ و ٦٦٠٦.
(٢) روي من حديث أبي هريرة وغيره. رواه البخاري في الجنائز باب ٨٠ و ٩٢ ، وتفسير سورة ٣٠
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ٢ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3657_alfasl-fi-almilal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
