فإن قالوا : إنّ الله تعالى يعوض ما أباح ذبحه وقتل منها.
قيل له : فهلّا أباح ذلك فيما حرّم قتله ، ليعوضه أيضا.
وهذه محاباة لا شك فيها ، مع أنه في المعهود من المعقول عين العبث إلّا أن يقولوا : إنه تعالى لا يقدر على نعيمها إلا بتقديم الأذى ، فإنهم لا ينفكون بهذا من المحاباة لها على من لم يبح ذلك فيها من سائر الحيوان ، مع أنه تعجيز الله عزوجل.
ويقال لهم : ما الذي عجّزه عن ذلك وأقدره على تنعيم من تقدّم له الأذى في الدنيا؟ أطبيعة فيه جارية على نيتها؟ أم فوقه واهب له تلك القدرة؟ ولا بدّ من أحد هذين القولين ، وكلاهما كفر مجرّد.
وأيضا : فإن قولهم يبطل بتنعيم الله عزوجل الأطفال الذين ولدوا أحياء ، وماتوا من وقتهم دون ألم سلف لهم ولا تعذيب. فهلا فعل بجميع الحيوان الحيوان كذلك على أصولكم؟
وأيضا : فقد كان عزوجل قادرا على أن يجعل غذاءنا في غير الحيوان ، لكن في النبات والثمار كعيش كثير من الناس في الدنيا ، لا يأكلون لحما ، فما ضرّهم ذلك في عيشهم شيئا ، فهل هاهنا إلّا أن الله تعالى لا يجوز الحكم على أفعاله بما يحكم به على أفعالنا لأننا مأمورون منهيون ، وهو تعالى أمرنا لا مأمور ولا منهي ، فكل ما فعل فهو عدل وحكمة وحق ، وكلّ ما فعلناه فإنه إن وافق أمره عزوجل كان عدلا وحقا ، وإن خالف أمره عزوجل كان جورا وظلما.
قال أبو محمد : وأمّا الحيوان ، فإنّ قولنا فيه هو نص ما قاله الله عزوجل ورسوله صلىاللهعليهوسلم إذ يقول عزوجل : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) [سورة الأنعام آية رقم ٣٨].
وقال عزوجل : (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) [سورة التكوير آية رقم ٥].
فنحن موقنون أن الوحوش كلّها ، وجميع الدواب ، والطير ، تحشر كلها يوم القيامة ، كما شاء الله تعالى ، ولما شاء عزوجل.
وأما نحن فلا ندري لما ذا ـ والله أعلم بكل شيء ـ.
وقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إنه يقتصّ يومئذ للشاة الجمّاء من الشاة القرناء» (١).
__________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة مسلم في البرّ حديث ٦٠ ، والترمذي في القيامة باب ٢ ، وأحمد في المسند (٢ / ٢٣٥ ، ٣٠١ ، ٣٢٣ ، ٣٧٢ ، ٤١١). والشاة الجمّاء : التي لا قرن لها. والقرناء : ذات القرن.
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ٢ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3657_alfasl-fi-almilal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
