يعرّضنا كلنا للمهالك والفتن؟ فهل هذا إلّا محاباة مجرّدة وفعل لما يشاء؟ لا معقّب لحكمه ، لا يسأل عما يفعل.
قال أبو محمد : وقد ذكر بعضهم أن الله تعالى قبّح في عقول بني آدم أكل ما يعطيهم ، وأكل أموال غيرهم ، ولم يقبح ذلك في عقول الحيوان.
قال أبو محمد : فأقرّ هذا الجاهل بأنّ الله تعالى هو المقبح والمحسّن ، فإذ ذلك كذلك فلا قبيح إلّا ما قبّح الله ، ولا محسّن إلا ما حسّن. وهذا قولنا. ولم يقبح الله تعالى قط خلقه لما خلق ، إنما قبّح منا كون ذلك الذي خلق من المعاصي فينا فقط. وبالله تعالى التوفيق.
وإنّ الأمر لأبين من ذلك ، ألم تروا أنّ الله خلق الحيوان فجعل بعضه أفضل من بعض بلا عمل أصلا ، ففضل ناقة صالح عليهالسلام على سائر النوق نعم وعلى نوق الأنبياء الذين هم أفضل من صالح. وإنما أتينا بهذا لئلا يقولوا إنه تعالى إنما فضلها تفضيلا لصالح عليهالسلام ، وجعل تعالى الكلب مضروبا به المثل في الخساسة والرذالة ، وجعل القردة والخنازير معذبا بعض من عصاه بتصويره في صورتها ، فلو لا أن صورتها عذاب ونكال ما جعل القلب في صورتها أشدّ ما يكون من عذاب الدّنيا ونكالها ، وجعل بعض الحيوان متقرّبا إلى الله عزوجل بذبحه ، وبعضه محرما ذبحه ، وبعضه مأواه الرياض والأشجار والخضرة ، وبعضهم مأواه الحشوش والرّداغ (١) والدّبر. (٢) وبعضه قويا ، وبعضه ضعيفا ، وبعضه منتفعا به في الأدوية ، وبعضه سمّا قاتلا ، وبعضه قويّا على الخلاص ممن أراد بطيرانه وعدوه ، أو قوته ، وبعضه مهينا ، لا مخلص عنده ، وبعضه خيلا في نواصيها الخير يجاهد عليها العدو ، وبعضه سباعا ضارية مسلطة على سائر الحيوان ذا عرّة (٣) لها ، قاتلة لها ، آكلة لها ، وجعل سائر الحيوان لا ينقصر منها ، وبعضها حيات عادية مهلكة وبعضه مأكولا على كل حال. فأي ذنب كان لبعضه حتى سلّط عليه غيره فأكله وقتله وأبيح ذبحه وقتله وإن لم يؤكل كالقمل والبراغيث والبق ، والوزغ وسائر الهوام ، ونهى عن القتل النحل ، وعن قتل الصيد في الحرمين ، والإحرام وأباحه في غير الحرمين ، والإحرام؟
__________________
(١) كانت في الأصل «الرداع» بالعين المهملة. والصواب ما أثبتناه. والرداغ : جمع «ردغة» وهو الوحل الكثير. انظر المعجم الوسيط (ص ٣٣٩).
(٢) الدّبر : الجزيرة يعلوها الماء وينحسر عنها (المعجم الوسيط : ص ٢٦٩).
(٣) العرّة (بالفتح) : الشدة (المعجم الوسيط : ص ٥٩٢).
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ٢ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3657_alfasl-fi-almilal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
